المسيحية والغفران

منذ ابتدأت الحروب والمآسي، ومنذ قتل قايين هابيل والغفران كلمة غير معروفة في المجتمع البشري. ومن يومها أخذت العداوة تحكم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، ووصلت إلى حد تحطيم الآخر واستعباده، والتعدي على مقتنياته وقتله؛ وقد استمرّ هذا الأمر على مرّ التاريخ. ومن شأن عدم غفران الناس لبعضهم البعض أن يحوّلهم إلى أعداء فيهجر السلام أرضهم وقلوبهم ومجتمعاتهم.

وقد حاولت المجتمعات والتعاليم الدينية المستحيل لتحسين حالة الوجود الإنساني على الأرض، إلا أنها باءت بالفشل لأن تصوّرات قلب الإنسان شريرة وعاجزة عن استبدال الكراهية للغير بالمحبة الخالصة. والناموس اليهودي نفسه قد علّم محبة القريب وبغض العدو والثأر بحسب مبدأ العين بالعين والسن بالسن.

إلى ان جاء المسيح بالنعمة وقلب هذه المعايير المغلوطة محدثاً تغييرًا عجيباً في العلاقات بين الناس، بما لم يخطر على بال أحد، فعلّم الغفران بقتل العداوة بالمحبة. لا يوجد ما هو أعذب وأفضل من تعليم المسيح الهادف إلى معالجة الكراهية بين الناس وهو القائل: "أحبوا اعداءكم وباركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (متى 5: 44). وقد مارس المسيح تعليمه حول الغفران، وهو الذي صلّى لأجل أعدائه: "يا أبتاه اغفر لهم هذه الخطية، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون". وزاد على صلاته، سفكه دمائه الطاهرة ليصالح الإنسان الخاطئ مع الله القدوس.

يأتي الغفران الذي يهبه المسيح بالسلام القلبي العميق لكلّ من يلبي دعوته ويطلب غفرانه. فحاجة الإنسان القلبية الأولى هي للسلام الداخلي الذي لا يأتي إلا عند نيل الغفران من الله. وسيبقى الناس يعانون من الإضطرابات فيما بينهم إلى أن يملك رئيس السلام في قلوبهم ويغفرون لبعضهم البعض.

الموضوع:
العدد:
السنة:
الشهر: