المسيحيون والإدمان على الكحول

الكاتب:
العدد:
السنة:

(مجلة فورنتلاين، ايلول /تشرين الأول 2016)

تعتبر الإحصاءات والدراسات العلمية الحديثة أن شُرب الكحول والمشروبات الروحية الأخرى يُعتبر أحد أبرز مظاهر الإدمان المُنتشرة في المجتمعات الغربية. فإن الإحصاءات الرسمية السنوية تُشير إلى أن الإدمان على الكحول يُسبّب نِسباً مئوية صادِمة من الجرائم الأساسية المُرتكبة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، التعدي، والإغتصاب، والقتل، وهدر الأموال الطائلة على العلاج الصحي، والتغيّب عن العمل وحوادث السيارات الناجمة.

الكحول في الأوساط الجامعية والراقية

إحدى المجلات العلمية الرائدة التي تُدعى – Chronicles of Higher Education – والتي تُعنى بشؤون التلامذة والإداريين الجامعيين أشارت بدقةٍ طبيَّة مُتناهية مدعومة بالأبحاث العلمية المُوثَّقة إلى شيوع عادة الإدمان على الكحول وإنتشارها في الجامعات المتعددة في المجتمعات المتقدمة. وهذا التقييم إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على عُمق هذه الآفة ومخاطرها على المجتمع.

بالإضافة إلى ذلك، تجدُر الإشارة إلى أن أوساط الأعمال والمهن والمجتمعات وأماكن اللهو العامة مأخوذة إلى حدٍّ كبير بشرب الكحول على أنواعها وإن كانت بنسبٍ مُتفاوتة. وهكذا أصبح الإقدام على شُرب الكحول عادة إجتماعية بإمتياز، وتشمل تقريباً كل النشاطات الإجتماعية كالسهرات والإحتفالات والأعراس وحتى المناسبات الكنسية والأعياد. وهكذا أصبح الشُرب أو الإدمان على الكحول عادة إجتماعية بإمتياز – عادة لا تخلو من الغُلو والمبالغة التي غالباً ما تُكلِّف أصحابها الكثير من أموالهم وسمعتهم ومقامهم في المجتمع.

عين لا ترى... قلب لا يوجع

لا يَعي المؤمن المسيحي الحقيقي تماماً عِظَم هذه المُشكلة وتأثيراتها الإجتماعية السلبية فقط بل يُدرك إدراكاً جيداً أيضاً بأنها قد تكون خطية المجتمع المُعاصِر الذي صار جلّ إهتماماته دنيوي، نفسي، وأناني فيه من اللذة بمكان ما لا يُشبع قلب الإنسان أو يُرضي الله ويُمجده.

ما يُقلقنا كمؤمنين في أيامنا الحاضرة هذه أننا لا نُعاين هذه المُتغيرات الإجتماعية وتاثيراتها السلبية مثل الإدمان على الكحول فحسب، بل أيضاً نغُض الطرف أحياناً إذ لا نُوبِّخ أو ندين هذه الممارسات بل غالباً ما نقف على الحِياد إزائها. في إحدى الدراسات الاستقصائية الحديثة، والتي أُجريت في عدد من الجامعات المسيحية الأميركية، ثَبُتَ وجود أكثر من 90 ٪ من التلامذة الجامعيين الذين لا يجدون مُشكلةً على الإطلاق في تناول الكحول في المناسبات الإجتماعية، مُقارنةً بالتوجه العام قبل ثلاثين عاما والذي أظهر أن الإمتناع عن تناول الكحول في المناسبات الإجتماعية وغيرها هو الأمر الصائب لدى المسيحييِّن الجامعيين الذين يؤمنون بالكتاب المقدس.

أي موقف آخذ؟ الشرب أو الإمتناع أو الإعتدال

للأسف نجدُ في أيامنا عدد متنامي من أبناء العائلات المحافظة ممن يعتقدون أنهم يستطيعون مُجاراة المجتمع يإعادة النظر في تحفظهم على تناول الكحول. وهؤلاء يتساءلون في قرارة أنفسهم "هل حقاً يُعلِّم الكتاب المقدس بضرورة الإمتناع عن تناول الكحول؟" ويقولون أيضاً، ربما عن جهل أو عدم معرفة، بأنه توجد مراجع كتابية تدعم هذا التوجُّه المتسامح! وهؤلاء يدعمون رأيهم بالقول أنَّ المسيح حوَّل الماء إلى خمر في عُرسِ قانا الجليل، وبالتالي يكون تناول الكحول باعتدال أمر ممكن ومسموح به.

في هذا الكتاب، المُعنون: "المسيحيون والإدمان على الكحول: أسباب كتابية في الإمتناع"، يُشير الدكتور راندي جاغلي إلى أهمية هذا الموضوع ويُحاول الإجابة بموضوعيةٍ عن أسئلةٍ كثيرة تتعلَّق بتناول المشروبات الروحية. وقد بنى الدكتور جاغلي حُجَّته على البراهين الكتابية، والحقائق العلمية والطبية، والبحث التاريخي والخبرة في الرعاية الكنسية، ليؤكِّد بالإقناع لماذا ينبغي على الإنسان المسيحي المهتم بالسلوك الطاهر الإمتناع كُلياُ عن تناول المشروبات الروحية المُتنوعة.

يضحد الدكتور جاغلي في بحثه كل أرجحِّية بإتجاه تناول الكحول بإعتدال. وبرهن أن كل الإدِّعائات التي تقول بأن الخمر المُشار إليه في الكتاب المقدس هو عصير عنب غير مُخمَّر، أيضاً لا أساس لها من الصحة. وقد بنى رأيه بعد التمحيص الدقيق للكلمات المستعملة المتعلقة بالخمر وعصير العنب وكذلك البراهين التاريخية، والثقافية، والأثارية في العهد القديم والقرن الأول المسيحي في العهد الجديد. على ذات القدر من الأهمية، أشار الدكتور جاغلي بما لا يقبل الجدل بأن ما كان يشربه المسيحيون الأوائل لم يكن خمراً مُسكراً على الإطلاق وأن ممارسات البعض في أيامنا هذه هي حتماً غير مُبررة.

لعلَّ أكبر إنجاز يُقدّمه هذا الكتاب هو أنه ساهم إلى حدٍّ كبير بتبيان كيف أن البحث الكتابي الدقيق والتفسير المنطقي المُدعَّم بالقرينة يوضِّح بدون لُبس دقَّة وحقيقة موضوع أساسي كتناول الكحول والمشروبات الروحية والذي غالباً ما أُسيءَ فهمهُ وتفسيره. فالدكتور جاغلي يؤكد أن الرب هو مصدر الحق والإرشاد الحقيقي في هذا الموضوع الحسَّاس.

شهادة شخصية

ويقول دكتور جاغلي في كتابه أنه ترعرع في بيتٍ مسيحي وأول مرة سمع فيها عن الإنجيل كان في سن 12 وذلك عبر أحد الوعاظ الإنجيليين الموهوبين بالتفسير على التلفزيون. إلا أن الوعظ لم يكن يتناول تأثير كلمة الله في الحياة العملية. وهو لم يسمع ولا مرة أحداً يبحث في موضوع تناول الكحول من منظورٍ مسيحي كتابي. فوصل إلى الإستنتاج بأن جماعة الكنيسة يعتبرون أن تناول المشروبات الروحية كان خارج نطاق البحث والتدقيق بالنسبة لشرعية ودقَّة السلوك المسيحي. ويذكر جاغلي أنه عندما التحق بالجامعة في السبعينات من القرن الماضي، وكانت الأجواء يومها غير متدينة وغير مناسبة للنمو المسيحي، إنضم إلى منظمة إنجيلية تُعنى بالبشارة الفعَّالة بين الجامعيين.

ويخبر دكتور جاغلي في كتابه خبرته الشخصية مع زملائه الطلاب: "لم يأخذني الوقت كثيراً كي ألاحظ أنني وأصدقائي في الجامعة لم نكن نتفق كثيراً في بعض الأمور المسلكية. ففي إحدى الأيام دعاني أصدقائي للذهاب معهم إلى أحد المطاعم المرموقة لتناول الطعام. وإذا بهم يطلبون الكحول ويشربونها دون وخزٍ للضمير. ومن يومها صرت أراقب تأثير تناول المشروبات الروحية الكارثي في حياة زملائي. وأدركت كيف أن تناول الكحول حطَّم نجاحاتهم، وولّدَ الغرائز الجنسية في داخلهم، وحرَمهم الصحة الجسدية والفكرية والعائلية، وفي كثير من الأحيان سبَّب لهم حوادث السيارات المُميتة. وكنت أتسائل كيف يمكن للمسيحي أن يشرب الكحول وهو يعلم تأثيرها السلبي والهدَّام؟ نحن خلائق جديدة في المسيح ولا يمكن ان تأسرنا مواد تؤثِّرُ في العقل وإتزانه! فالكتاب المقدس يُعلِّم عن السلوك بقداسة وأهمية أن نشابه المسيح في حياتنا. وعندما حاولت أن أفسِّر كل ذلك لأصدقائي وُصفتُ بالمتديّن المُتطرِّف".

أثار جانبية قاتلة

ويذكر دكتور جاغلي أن المشاكل التي ترافق تناول الكحول هي في تزايد مستمر وله تبعات سلبية كثيرة من حيث الأهمية وتأثيرها المدمِّر وكلفتها الباهظة.  يورد التقرير الصادر عن المعهد الوطني للصحة – National Institutes of Health – في أمريكا بعض الآثار التي تُسببها الكحول بين التلامذة الجامعيين الذين يشربونها والذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 24 سنوياً.

§       1825 حالة وفاة مُتعلِّقة بحوادث السيارات.

§       599,000 حالة مُتعلِّقة بالتسببُّب بجراح غير مقصودة أو مُباشرة.

§       690,000 حالة تعدِّي من شخصٍ على آخر.

§       97,000 حالة من التعدي الجنسي أو الإغتصاب.

§       150,000 حالة من المشاكل الصحية المختلفة.

ما هو تعليم كلمة الله في موضوع الكحول؟

يدعونا الكتاب المقدس إلى السهر والتعقُّل، ويقول الرسول بولس: "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ". (رو 13: 12 – 14). وهذه من أوضح المقاطع في الكتاب المقدس التي تُشدِّد على الصحو وعدم الإستعباد لشهوات هذا العالم، التي من ضمنها حتماً تناول الكحول والسِكر.  

ومع وجود الكثير من المقاطع الكتابية التي تُحذّر ضد شرب الكحول يُصرّ عدد غير قليل من المسيحيين أنه لا يوجد تعليم واضح وصريح ضده في كلمة الله ويجب ترك حرية الإختيار في موضوع تناول الكحول للناس طالما أنها لا تؤثِّر في الإيمان والأخلاق المسيحية خاصة إن تم تناولها بإعتدال. وبالفعل قد ابتدأت النظرة للكحول تتغيّر ابتداء من الستينات من القرن الماضي في الوقت الذي كان فيه ما يُقارب 98 ٪ من الناس في سنة 1951 يعتقدون أن تناول الكحول هو أمرٌ خاطئ، أما الآن وبعد نحو أربعة عقود انخفض عدد الذين ينادون بالإمتناع عن الكحول إلى 17 ٪ فقط. فهذا إن دلَّ على شيء إنما يدلُّ على التغيُّر في المزاج الروحي تجاه هذا الموضوع الهام. إلا أن دارس كلمة الله يجد أنها تدعونا بإستمرار للطاعة والخضوع لمشيئته وعدم إستخدام الحرية المسيحية فُرصة للجسد (رو 13: 12 – 14). ويبقى السؤال الموجّه لضمير من يشرب الكحول: هل ما تقوم به هو مثالاً يحتذى تقدمه للآخرين ويحفظهم من السقوط في الإدمان وتحمّل عواقبه الوخيمة وهل هو حقاً يُمجِّد الله؟