المصلح "أولرخ زوينكلي" (1484-1531)

الكاتب:
العدد:
السنة:

يعتبر المصلح الانجيلي "أولرخ زوينكلي"، أب الإصلاح في سويسرا، والرجل الثالث، بعد المصلحين مارتن لوثر وجون كالفن، من حيث الأهمية. بعد أقلّ من شهرين من ولادة مارتن لوثر، ولد "أولرخ زوينكلي"، بتاريخ 1 كانون الثاني 1484 من والد، كان رجلاً نافذًا في قريته. أراد والده أن يقدم له تعليمًا جيدًا فأرسله إلى جامعة فيينا عام 1498، حيث درس الفيزياء والفلسفة والآداب الكلاسيكيّة. ومنها انتقل إلى جامعة بازل عام 1502 حيث درس العلوم الانسانية ونال شهادة منها. ومن ثم درس "زوينكلي" الّلغة اليونانية واللاهوت.

زوينغلي الكاهن

رسم زوينكلي كاهنًا وخدم السنين الأولى في كنيسة "غلاروس". في العام 1615، اشترى "زوينكلي" نسخة من العهد الجديد للكتاب المقدس، المُعَدّة من قبل "إيراسموس" وإنكبّ على دراستها وتعلّق كثيرًا بها . وقد حفظ غيبًا  كلّ رسائل الرسول بولس. آمن "زوينكلي" أن الكتاب المقدس، هو المصدر الوحيد للعقيدة والايمان والحياة. وأعلن أن سلطان الكتاب المقدس، هو أعلى من أية سلطة أخرى. آمن باستقامة كلمة الله وفساد وكذب الانسان، مؤمنًا أن الله وحده هو الحقّ. وصار زوينكلي يعظ من الكتاب المقدس، مستخدمًا أسلوب "الوعظ التفسيري" المباشر، الذي يعتمد على تفسير النصوص الكتابيّة والحقائق الروحيّة التي تعلّمها. ووعظ في الأسواق عن التوبة وغفران الخطايا والمحبّة الأخويّة التي تبني جماعة الايمان. وعظ كلّ أسفار العهد الجديد بالتسلسل بفترة ستّ سنوات، لجعل رسالة الكتاب المقدس، تعلن مجد الله وابنه يسوع المسيح، وتؤدّي إلى خلاص النفوس.

أكدّ المصلح "زوينكلي"، بأنّه لم يتعلّم من مارتن لوثر، عن أهميّة الكتاب المقدس، بل اكتشف أهميته بنفسه. كتب قائلاً، "قبل أن يسمع أحد في المنطقة، بالمصلح مارتن لوثر، إبتدأت بالوعظ بإنجيل المسيح قبله بسنتين. وبالتالي، لوثر حتمًا لم يعلّمني، بل فقط تبعت الكتاب المقدس".إن دراسة ومعرفة "زوينكلي" للكتاب المقدس، فتحت عينيه لتمييز الخرافات والممارسات والعقائد التي لا تنسجم مع تعليم الكتاب المقدس. وقبل أن يهاجم، مارتن لوثر ممارسة بيع الكنيسة لصكوك الغفران، في بنوده الـ 95  في ألمانيا، أدان "زوينكلي" بشدّة تلك الممارسة. قال لبائعي صكوك الغفران، "الذي يغفر أية خطيّة من أجل المال، هو رفيق لسيمون الساحر، وبلعام. فالنعمة لا تشترى ولا تباع". بسبب انجذاب الناس لوعظه، منحه الناس لقب "كاهن الشعب". لكن لم ينضج لاهوت "زوينكلي" المصلح، إلا بعد قراءاته لكتابات المصلح مارتن لوثر في العام 1518.

انتقل "زوينكلي" ليصير كاهن كاتدرائية مونستر في مدينة زوريخ عام 1519. في تلك الفترة، أصيب سكان المدينة بمرض الطاعون ومات ثلث السكان. فاتخذ "زوينكلي" موقفا رعويًّا مميزًا، اذ اختار ألاّ يترك المدينة، بل بقي الكاهن الأمين لها، يعتني بمرضاها والذين يموتون فيها. وقد انتقلت عدوى المرض إليه، فأصيب بالطاعون، وكان على وشك الموت. إلاّ أنه استعاد صحته بعد ثلاثة أشهر، وقد أثّر اختباره هذا في تقوية ثقته بالهه ليكرس حياته له بشكل أكبر. إن تضحية "زوينكلي"، ببقائه في المدينة، وسط المرض والموت، لقيت تقديرًا كبيرًا من قبل سكان مدينة زوريخ.

زوينغلي المُصلِح

لخّص المصلح "زوينكلي" رؤيته للاصلاح الانجيلي، في مدينة زوريخ بـ 67 بندًا إصلاحيًا. من هذه البنود: أنّ المسيح هو الطريق الوحيد لخلاص جميع الذين، وجدوا ويوجدوا وسيوجدوا (البند الثالث). وأنّ المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس (البند التاسع عشر). وأنه إذا ما كان خدّام الكلمة غير أمناء وأوفياء، وتعدّوا على وصايا المسيح، فإن كلمة الله تسمح للكنيسة بعزلهم (البند الثاني والأربعين). اشترك "زوينكلي"، بهذه البنود، مع باقي المصلحين الانجيليّين، في إعادة الكتاب المقدس إلى مركز الحياة، وفي رفض عقيدة الخلاص بالأعمال، مناديًا أن الإنسان، انما يتبرر بإيمانه بعمل المسيح الفدائي على الصليب. وقد تبنّى معظم كهنة المدينة بنوده الاصلاحيّة.

من المحطات المميّزة في إصلاح "زوينكلي"، تقديمه لمفاهيمه الاصلاحيّة، اللاهوتيّة والكتابيّة والاجتماعيّة، في قاعة مدينة زوريخ العامة. فبعد انتقاد بعض سكان المدينة، لوعظ "زوينكلي"، لا سيّما، انتقاده اللاذع للممارسات والتقاليد والعقائد، التي لا تنسجم مع الكتاب المقدس، دعا مجلس المدينة عام 1523 "زوينكلي"، ليقدّم مفاهيمه الاصلاحيّة في مناظرة في حضور قادة المدينة، وممثلين عن الكنيسة الكاثوليكيّة، و600 شخص من عامّة الشعب. وبعد انتهاء النقاش والمناظرة قرّر مجلس المدينة، الطلب من "زوينكلي"، الاستمرار في الوعظ بكلمة الله. وهنا الجدير بالذكر، أن علاقات زوينكلي الوطيدة مع العائلات الرئيسيّة في المدينة، ومع التجمّعات المهنيّة فيها، ساهم في شكل كبير بانتقال المدينة من سلطة الكنيسة الكاثوليكيّة لتصبح مدينة انجيليّة مصلحة.

وفي العام 1524، ألغيت القداديس واستبدلت بخدمات العبادة الانجيليّة المصلحة. وهكذا تبنّت المدينة الاصلاح الانجيليّ، وأجرت تغييرات أساسية في: نمط حياة سكّانها ومؤسّسات المدينة. ركّز "زوينكلي" في إصلاحه، على مسائل عمليّة وقضائيّة، وشكّل المؤسّسة الاجتماعيّة التي تميزت فيها زوريخ، والتي هي "محكمة الزواج"، التي سمحت لحكام المدينة والقسوس، بتحمّل مسؤولياتهم معًا، بالاشراف على الحياة الأخلاقيّة في المدينة. وبسرعة انتقل الإصلاح، من زوريخ الى المناطق والكانتونات التي تتكلم اللغة السويسريّة-الألمانيّة، مثل بِرن وبازل.        

أثر زوينغلي

ترجم "زوينكلي" بمساعدة المصلح "ليو جود"، وفريق من قسوس زوريخ المختصين في الكتاب المقدس، بين أعوام 1525-1529، كتاب العهد الجديد، من اللغة اليونانيّة الى اللغة السويسريّة-الألمانيّة، مع مقدّمة لكل سفر. وتلخيص لكلّ إصحاح. وانتهت ترجمة كامل الكتاب المقدس عام 1531. وكانت أول ترجمة باللغة السويسريّة-الألمانيّة، ونظر إليها كقطعة أدبيّة ثمينة ومميّزة.

تزوّج زوينكلي من أنّا رينهارت عام 1522، ورزقا أربعة أولاد. وقد عُرِفَت بأعمالها الخيريّة الكثيرة، فسمّاها طابيثا الرسوليّة، تيَمُّنًا بطابيثا التي يذكرها الكتاب المقدس (أع 9: 36).

أمّا موت "زوينكلي" المبكّر عام 1531، أدخل المدينة في صراعات داخليّة وخارجيّة، مِمّا أوقف انتشار الاصلاح التي حَلِمَ بها في سويسرا ودول الجوار. بعد موت "زوينكلي"، خلفه المصلح "هينريخ بولينغر"، من عام 1531 وحتى العام 1575. "بولينغر" جمع أفكار ولاهوت "زوينكلي"، في اعتراف الايمان الذي كتبه عام 1561 والذي يُسمّى "اعتراف الإيمان الهلفيتي الثاني"، الذي يلخّص أفكار "زوينكلي". وقد تبنّي هذا الاعتراف من قبل الكانتونات السويسريّة التي تتكلّم الّلغة السويسريّة-الألمانيّة. وله السلطة العليا حتى اليوم في الكنائس الانجيليّة المُصلحة، بسبب القبول الواسع له.

من كتابات "زوينكلي": "من البداية الى النهاية"، "بعض المبادىء، حول كيف نربّي شبابنا على التربية الصالحة والتلمذة الحقيقيّة"، "البرّ الالهيّ والبرّ الانسانيّ"، "العدالة الإلهيّة والعدالة الإنسانيّة"، "الدين الحقيقي والدين المزيّف".