المِثليَّة الجنسيًّة: بين المُجتمع والعِلم وتعليم الكتاب المقدَّس

الكاتب:
العدد:
السنة:

يمرّ المجتمع الحديث، بتغيُّرات كثيرة في مجال العلاقات الجنسية داخل إطار الزواج وخارجه. فما كان مُحرماً في المجتمعات المحافظة أصبح مُشرَّعًا وجزءًا من ممارسات الناس اليوميَّة. غابت الضوابط والأطر التي بُنيت عليها الأخلاقيَّات الفرديّة والعائليَّة والإجتماعيّة والتي أصبحت من مخلّفات العصر المحافظ البائد وبالتالي لا تستطيع الإيفاء بمتطلبّات وحاجات الشباب من مختلف الأعمار. ففي الوقت الذي حدَّدت فيه الأنظمة والقوانين وكذلك الكتب السماويّة الزواج بين رجل وامرأة لتكوين العائلة وإتمامًا لقصد الله في الحياة، أصبحت العلاقات المثليّة علامة من علامات الحياة المعاصرة ولا حرج على الإطلاق في تبنّيها وقبولها.

          في هذه الدراسة سأتناول طبيعة المثليّة الجنسيّة والشذوذ الجنسي وتأثيراتها والعلاجات الممكنة، ثم أعود لأفصّل مفهوم الكتاب المقدس للمثليّة الجنسيّة ودور الكنائس المحليَّة والمجتمع المدني في التوعية والإلتزام بالقوانين المرعَّية الإجراء. وسوف أركز على مبدأ الفصل بين الصداقة والروابط الأخويَّة من جهة والميول وممارسة المثليّة الجنسيّة من جهة أخرى، وما هو الفرق بينهما في إطار التعليم الكتابي.  

ماهيّة المثليّة الجنسيّة وتنوعها

المثلية الجنسيّة أو Homosexuality هي أحد مظاهر الشذوذ الجنسي الذي يضم ممارسات مرفوضة أخرى عديدة ذُكِرت في ١ كورنثوس ٩:٦-١١. بحسب معجم ميريام-وبستر الإنكليزي، فإن المثليّة الجنسيّة تشمل الميول والعلاقات الجنسيّة بين طرفين أو أكثر من ذات الجنس. وإن إختلفت النظرة إلى المثليّة الجنسيّة من عدم مبالات إلى رفضها رفضا قاطعًا، فإنّ شيوعها في المجتمع المعاصر وتأثيرها على مختلف الشرائح الشبابية أصبح جزءًا من ثقافته وممارساته. فهل ينظر المجتمع إلى المثليّة الجنسيّة كما ينظر إلى الدّعارة مثلاً أو الإغتصاب أو الإدمان على المواقع الإباحيّة، أم أنّه يفرّق بينها؟

إنَّ الشذُّوذ الجنسي يشمَل العلاقات ما بين الإناث وما بين الذكور وما بين المتحولين جنسيًا أيضًا. فهل المثليَة الجنسيّة تُعتبر خيارًا أم تحدّيًا أم نمط حياة معاصرة وحرّة؟ بعضُ الأشخاص يعتقدون أنها خيارًا تمامًا كإختيار العلاقات السويّة ضمن إطار الزواج أو خلاف ذلك. إنَّ الجمعيّة الأمريكيّة لعِلم النفس عرَّفت مفهوم الشذوذ الجنسي على الشكل التالي: "لا يُوجد إجماع بين العلماء حول الأسباب الحقيقيَّة التي تجعل الفرد بأن يكون طبيعيًّا جنسيًا، أو مِن المخنّثين، أو من مثليّ الجنس، أو ذات توجهات مثليّة. على الرغم من أن الكثير من الأبحاث التي أُجريت من النواحي الوراثيّة والهرمونيّة، ودراسة التأثيرات الإجتماعيّة والثقافيّة والعلميّة على التوجّه الجنسي، لم تُظهر النتائج أنّنا نستطيع الإستنتاج بأنّ الميول الجنسيّة يتم تحديدها من قبل أي عامل منفصل أو مجموعة عوامل معيّنة بحدّ ذاتها." لا شك أن المثليّة الجنسيّة هي نمط إجتماعي يتغذّى على التحوّلات الشخصيّة والإجتماعية ويؤثّر في البيئة الشخصية والعائلية ويساهم في تحديد الميول والممارسة.  

تأثيرات المثليّة الجنسيّة

لا شك أنّ المثليّة الجنسيّة لها تأثير كبير في جيلنا الحاضر. فهيَ تؤثِّرُ على الأفراد والعائلات والكنائس والمجتمعات. تأثيرها لا يقتصر على الأمور النفسيّة أو الفيزيولوجيّة فحسب، بل يشمل أيضًا هويّة الفرد الشخصيّة وموقعه في العائلة والمجتمع ومدى تقبّلهما. إنني أرى صراعًا حادًا يجري في داخل شخصيّة الفرد الذي يمارس الشذوذ الجنسي كما في العائلة على حدّ سواء. فهذه الممارسات تؤثّر في ضمير الإنسان والمجتمع. لقد تفكّكت الكثير من العائلات بسببها، أما البعض الآخر فقد فضّل عدم الزواج للحفاظ على ما يسمّى بالحريّة الجنسيّة والتنوع في العلاقات.

تأثير المثليّة الجنسيّة يطال أيضًا الكنائس المحليَّة. فمنها ما يعتبرها مُخِلَّة بالآداب ويدعو إلى الالتزام بالعفَة والتوبة، ومنها ما يدعو للإلتزام بخطَّة الله للإنسان في الزواج بين رجل وامرأة ويعتبر أنّ المثليّة الجنسيّة ليست بديلاً مباحًا إذ تعتقد أنها خطيَة وتحتاج إلى علاج روحي عميق. إلا أن البعض منها ابتدأ يقول ان الناس بغضّ النظر عن ميولهم أو ممارساتهم الجنسيّة هم أحرار ومسؤولين عن خياراتهم، ومنهم من صار يقبل بزواجهم ويُطالب بقبولهم كما هُم.

وإذ صارت المثليّة الجنسيّة مقبولة ومؤثّرة، أصبحت المجتمعات والقوانين المدنيّة تحاول إدماج المثليّين في إطار قانوني ومؤسَّساتي. فالعديد من الدول وضعت القوانين التي تُشرِّع زواج المثليّين وتمنحهم الحقوق المدنيّة والإجتماعيّة مثل التبني والإرث والعمل. على سبيل المثال قرّرت المحكمة العليا الأمريكيّة في سنة ٢٠١٥ للمثليّين حقّ الزواج في جميع الأراضي الأمريكيّة. لكن هذا القرار لا يشمل الزواج الكنسي ورجال الدين يحتفظون بحقْ اجراء الزواج الذي يرونه منسجمًا مع توجّهات الإيمان المسيحي.

التعامل مع المثليّة الجنسيّة

البعض لا يعتبر أن المثليّة الجنسيّة هي مرض أو جنحة أو تعبير عن تدنّي أخلاقي يجب إيجاد الحلول لها. أما المجتمعات المحافظة فترى المثليّة الجنسيّة كعدوى ينبغي إستئصالها. أما المشكلة الحقيقيّة التي نعالجها هنا هي أثر المثليّة العميق على الفرد أولاً وفي المجتمع ثانيًا ويجب معالجتها قبل أن يتم قبولها كحق من حقوق الإنسان.

إلاّ أنه لا بدّ من الإعتراف أن المجتمعات المعاصرة محكومة بالأخلاق النسبيّة - وليس المطلقة - التي تدعو إلى قبول المِثليَّة الجنسيًّة كنمطِ حياةٍ عادي يتحمّل المرء وحده تبعاته وتأثيراته. هذا المفهوم قد يتعارض مع القيَم الأخلاقيّة والعائليّة المحافظة ولا سيما في المجتمعات الشرقية، ولكن تداخل المبادئ الإجتماعية والقانونية في موضوع المثليّة الجنسيّة لا يستطيع أن يحسم الجدل القائم حول كيفية التعامل مع هذه الظاهرة.

النظرة الكتابيّة إلى المثليّة الجنسيّة

يُعلّم الكتاب المقدس أن العلاقات الجنسيّة تنحصر بين الرجل والمرأة في إطار الزواج فقط. فإن ممارسة الشذوذ الجنسي والعلاقات المثليّة – شأنها شأن الزنى - هي خارج إرادة الله وبالتالي تعتبر خطيّة. ذكرت هذه الممارسات في سبعة مواقِع كتابية وبأشكال متعددة: الإغتصاب أو مُمارسة الجنس بالإكراه (تك ٥:١٩؛ قض ٢٢:١٩)، المثليّة الجنسيّة بين الرجال (لا ٢١:١٨-٢٢/١٣:٢٠؛ رو ٢٧:١)، المثليّة الجنسيّة بين النساء (رو ٢٦:١)، الدعارة والشذوذ الجنسي (١ كو ٩:٦-١١)، والعلاقات الجنسيًّة خارج الزواج بشكل عام (١ تي٨:١-١٠).

إرتبطت المثليّة الجنسيّة قديمًا بالوثنيّين. وحرّم الناموس المُوسوي ممارسة الجنس مع الذكور والحيوانات واعتبرها أعمالاً رجسة. وفي العهد الجديد، فلم يذكر الرب يسوع هذه الممارسة بشكل مباشر بل حذّر من الفساد الأخلاقي، أما الرسول بولس فكان واضحًا وصريحًا ومباشرًا في إدانته العلاقات الجنسيّة بين المثليّين. أُشير إلى أن الكلمة اليونانية malakos المستخدمة تعني ممارسة الجنس مع الأولاد الذكور، بينما الكلمة اليونانية arsenokoites تدلّ على ممارسة الشُذوذ الجنسي بمختلف أنواعه. نفهم أنّ الكتاب يدين المثليّة الجنسيّة لكنه يشدّد على أنّ محبّة الله وغفرانه يشملان الجميع. 

أسئلة يطرحها الشباب

لا بُدَّ أنْ أجيبَ على عدد من التساؤلات التي تساعد العنصر الشبابي بشكل خاص على فهم الموضوع والوقاية منه:

أولاً: هل العلاقات/الصداقات المثليّة محظورة؟ هناك تمييز بين الصداقة والممارسة الجنسيّة. في سفر صموئيل إشارة إلى صداقة داود ويوناثان، وفي إنجيل يوحنا إلى صداقة المسيح ويوحنا، وفي كلا الحالتين إستُخدِمت كلمة agape والتي تعني المَودة والإحترام ولا تحمل في طيّاتها الغرام والجنس.

ثانيًا: هل ينبغي على المسيحيّين رفض زواج المثليّين؟ بما أنّ الكتاب المقدس حدّد مفهوم الزواج، أنه بين رجل وامرأة، وهذا ما شرّعه القانون الطبيعي، فإن زواج المثلييِّن لا يمكن تشريعه في المسيحية ولا يمكن تشريعه قانونًا في المجتمع المدني.

ثالثًا: هل يمكن رسم المثلييِّن رعاة وكهنة؟ هذا غير ممكن طالما أن مواصفات العهد الجديد لخدّام الرّب تفترض الزواج الطبيعي للخدّام ولا تقبل بالمثليّة الجنسيّة.

رابعًا: هل يستطيع المثليّين الجنسيّين الذهاب إلى السَّماء؟ إنّ الغُفران والمسامحة هما في صُلب الإنجيل، فكلّ تائِب حقيقي يُؤمنُ بالربّ مُخلّصًا وفاديًا ينال الحياة الأبدية. أما من يرفض التوبة عن مثليّته وزناه فلن يجدها (رؤ 22: 15).

خامسًا: هل يكره الله المثليّين الجنسيّين؟ الله يُحبّ الجميع وهو يتأنَّى على الجميع ليُقبلوا إلى التوبة والخلاص.

سادسًا: كيف نتعامل مع المثليّين الجنسيّين؟ نتعامل معهم بمحبّة وإحترام وندعوهم للتوبة وللعودة إلى الرّب برفق واحترام.

سابعًا: هل المثليّة الجنسيّة أمر مفروض لا يمكن كبته أو التخلّص منه كما لا يمكن تغيير الميول الجنسيّة؟ يدعو الكتاب المقدس جميع الزناة إلى الإنضباط والعفّة والطهارة والزواج المقدَّس. فالجموح الجنسي أمر مرفوض والممارسات الجنسيّة – على تنوعها - خارج إطار الزواج لها نتائجها الوخيمة من خيبة ذاتية وتدمير للعائلات. فأيّ ميول غير طاهرة ينبغي الإبتعاد عنها، وأن نعرض عن الشهوات الشبابية ونهتّم بما يُقدّس حياتنا.

 إن المثليّة الجنسيّة أو الشذّوذ الجنسي قد يدمّر حياة الإنسان والعائلة لما لهما من تأثيرات وارتدادات سلبيّة. المسيحي الحقيقي لا يستطيع إلا وأن يحافظ على محبّته وطاعته للربّ وبالتالي يبني علاقات مقدّسة مع الآخرين فيحفظ نفسه ويقوم بدور هام في إرشاد الناس إلى سبل البّر.