تعهدات رأس السنة

الكاتب:
العدد:
السنة:

تُكلّل الأفراح احتفالات رأس السنة الجديدة، لكن سرعان ما تخبو هذه الفرحة مع الأيام وتصبح السنوات روتينية ولا أثر لها في حياتنا. وتمرّ السنوات ونتقدّم في الأيام والخبرات، ونسأل في نهاية كلّ عام: لكن ما هي الإنجازات التي قدَّمناها للعالم طوال العام المنصرم وما هي الذكريات التي تركت أثرًا لا يُنسى فينا وفي الآخرين؟ ويسأل المؤمن المسيحيّ: ما هي التعهدّات التي ينبغي عليه أن يقطعها في بداية العام الجديد؟ للإجابة على هذه الأسئلة نحتاج لفكر روحيّ من نحو الزمن وقيمته. قال المرنِّم في القديم: "إحصاء أيَّامنا هكذا علِّمنا فنُؤتى قلب حكمة" (مز 90: 12).

يعود تقليد أخذ التعهُّدات الجديدة في ليلة رأس السنة إلى حوالي 3000 سنة إلى أيام البابليين القدماء الذين مارسوا هذه الطقوس في مجتمعاتهم البدائية. هناك شيءٌ ما يترك انطباعًا داخل الإنسان يُنبئ ببداية مرحلة جديدة في بداية كلّ سنة. أمّا حقيقة الأمر، فهي أنّه لا يوجد فرقٌ بين الأيّام، ولا سحرَ يلمس ليلة رأس السنة، إلّا أنّ الكتاب المقدَّس يدعونا لأن نسلك في هذه الحياة بخوفٍ وتقوى. من هذا المنطلق، نناقش كيف علينا أن نقضي عمرنا في هذا العالم!

كثيرون يتعهدُّون بدايات جديدة في حياتهم مثل النجاح في العمل والألفة العائلية واستمرارية الصداقات، وأحيانًا أخرى يتمنَّون الصحَّة المستدامة ووفرة الأموال وراحة البال. بحسب أحد الإحصائيّات الحديثة، تبيَّن أن أحد أهم التعهُّدات التي تمنَّاها الكثيرون كان خسارة الوزن الزائد والحفاظ على الحركة والصحَّة والحيوّية. لا شك أنّ كل هذه التعهُّدات أو التّمنيات، هي جيدة بحدِّ ذاتها إلا أنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب في الحياة الروحيّة الساميّة. فالملاحظ أن غالبية التصاميم والتعهُّدات التي يُطلقها الناس كل عام لها طابع مادّي ونفساني ولا تمتُّ بصلة واقعية إلى الأمور الروحية الأسمى.

وإن كنا كمسيحيين نُصمِّم بإخلاص على التزام الحياة الروحيّة والنمو في حياة الإيمان، إلّا أنّها تبقى ناقصة وغير مكتملة ما لم تقترن بدوافع مقدّسة وتصميم قلبي صادق. فنسأل على سبيل المثال: لماذا تريد أن تقرأ الكتاب المقدس كلّ يوم؟ فهل ذلك هو بهدف النمو وتمجيد الله، أم فقط لأنّك تظنُّ أنه واجب مُقدّس عليك القيام به؟ ومثله يُطرح السؤال: ولماذا تريد أن تنجح في الحياة وتنعم براحة البال، هل لكي تُمجِّد الله وأن تكون بركة للكثيرين، أم لكي تُحسَّ بالأمان والطمأنينة؟ أسئلةٌ كثيرة تدور في مخيَّلتنا حول تعهّدات غير واضحة لا أهداف سامية لها.

إن مناقشة فلسفة التعهُّدات تأخذنا لما شعر به الرسول بولس بداخله عندما قال: "أستطيع كلَّ شيء في المسيح الذي يُقوّيني". فبقوله هذا أظهر أهمية أخذ القرارات المنسجمة مع إرادة الله وتنفيذها بالإتكال الكلّي على الله. أما يوحنا الحبيب فعرف، فكان يذكر دومًا قول الرّبّ: "لأنَّكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا". وبناءً على هذا المفهوم، نرى أن تصميمنا المنسجم مع المشيئة الإلهية سيكون له مردود إيجابي في حياتنا كأولاد الله.

ولمن يسأل عن ما هي التصاميم التي يجب أن يأخذها في بداية هذا العام الجديد، أُقدّم بعض الاقتراحات العملية: أولاً: صلِّ إلى الرب كي يُعطيك حكمة في اختيار التعهّد الذي يجب أن تقطعه وسيكون لك (يع 1: 5). ثانيًا: أُطلب من الربِّ أن يُعينك لتتميم عهودك (في 2: 13). ثالثًا: سلِّم للربِّ طريقك وثِق بقوته القادرة أن تُعينك (مز 37: 5). رابعًا: تمثّل باّلذين ارتبطوا بعلاقة وثيقة بالمسيح وفلحوا في حياتهم (1 كو 11: 1). خامسًا: لا تفشل إذا تعثّرت خطواتك في البداية، بل تشجّع وتابع المسير (مي 7: 8). سادسًا وأخيرًا: لا تنتفخ عند أي إنجاز تحقّقه بل أعط الله مجدًا وعزًّا وكرامة.

إذا كانت السنون تمضي كبخارٍ يضمحِّل، أيُّ أناس ينبغي أن نكون نحن وأية تصاميم وتعهُّدات يجدر بنا أن نأخذها؟ لنتذكّرِ المعاملات الإلهية الطيبة معنا ولنسلُك بأمانة معه جميع أيام حياتنا مردِّدين: "كلَّلت السَّنة بجودك، وآثارُك تقطر دسمًا" (مز 65: 11).