حريّة الاختيار في رفض المسيح

الموضوع:
العدد:
السنة:

السّؤال:  كنتُ دائماً أظنّ أنّ الله خلَقَ الإنسان حرّ الإرادة، وبإمكانه أن يفعل كلّ ما يشاء في حياته.  فكيف يقول الكتاب المقدّس إنّ مَنْ يرفض المسيح يُرمى في بحيرة الكبريت المُتّقدة بالنّار؟  كنتُ أظنّ أنّ الإنسان حرّ في ألاّ يختار المسيح.  فإن كان الله سيُعاقب الإنسان على عدم تصرّفه بحسب مشيئته، فإلى أيّ مدى نحن أحرار في خياراتنا؟  وكأنّ الله يقول لنا: "اعمل ما أقوله لك، وإلاّ ... العِقاب!"

الجواب:  يا صديقي، قد يكون كلامك صحيحاً، إلاّ أنّك لست على حقّ.  فكّر معي قليلاً في ما تقوله حول رَفْض المسيح.  أنْ تَرفُضَ المسيح لا يعني اختيار طريقة حياة غير إنجيليّة، أو رفض مجموعة معتقدات وقواعد سلوك، أو عدم الالتزام بالكنيسة ومُرافَقَة مَنْ تشاء، أو الانضمام إلى الحزب الّذي تريده.

الواضح في سؤالك أنّك حريص على أن تُحافظ على حريّة خياراتك، كما أنّك حريص على أن يكون هناك عدالة في نهاية الأمر.  لذلك لا بدّ من أن أُذكّرك بأنّ الله خلق الإنسان في عالم خلَقَه هو أيضاً.  وأنّ الله حريص على حرّيّة الإنسان وعلى قواعد العدالة والحقّ الّتي أرساها في عالمه ليتمتّع بحياة طيّبة ومُباركة.

أنا أعرف أنّك تُوافقني الرّأي، فالله إنْ وُجِد، يجب أن يكون إلهاً أخلاقيّاً ويَحكم الكون بحسب قانون أخلاقيّ.  ولكي يكون لهذا القانون تأثير، لا بدّ من وجود العدالة والحُكم.  من هنا، ضرورة وجود قضاة ورجال شرطة وسجون في عالمنا.  ومن هنا أيضاً، وجود يوم دينونة و "بُحَيرَة مُتَّقِدة بنارٍ وكِبريت" (رؤيا 20: 10، 15).  ونحن نعلم أنّ القوانين المفروضة علينا تجعلنا نُحسِن التّصرّف على الأرض.  لكن، وللأسف، ليست هذه هي القاعدة عندما نرفض العدالة الأبديّة.

دعنا نعتَرف بالواقع والحقيقة كما هما.  نحن وُلِدنا في وضع لا أمَلَ فيه ولا رجاء.  فأبوَانا الأوّلان أخطأا، وجلبا علينا، وعلى الجنس البشريّ بكامله، الموت والدّينونة (تكوين 3: 17؛ رومية 5:12).  إنّ الله قدّوس ويطلب منّا القداسة (ا بطرس 1: 26).  لكنّنا لا يمكننا أن نكون صالِحين لدرجة نستحقّ من أجلها نوال الحياة الأبديّة.  وهكذا نرى أنفسنا على ممشىً متحرّك يقودنا رغماً عنّا نحو أبديّة حتميّة في جهنّم، وهذا ما تُحتّمه العدالة الأخلاقيّة، ونحن عاجزون على أن نُخلِّص أنفسنا.

وبما أنّ الله مُحبّ ورحوم، أرسل ابنه من السّماء ليَرفَعَ عنّا عقاب الموت وليُنجّينا من الهلاك الّذي ينتظرنا في جهنّم، وليُعطينا حياته وبِرَّه (2 كورنثوس 5: 21).  وقد كلَّف هذا الخلاص فدية عالية لا يقدر أحد أن يُقدّرها بمال، إذ تألّم المسيح على الصّليب ومات مُحتملاً غضب الله من أجْلِكَ ومن أجْلي.

في الحقيقة، لمْ يكن المسيح مُلزَماً بالقيام بهذا العمل الفدائيّ، إلاّ أنّه فعل ذلك من محبّته لنا، ليُعطيَنا فرصة ثانية.  وها هو يفتح لنا باباً في جانب الممشى الّذي يأخذنا إلى أسفل (جهنّم)، ليسحبنا منه إلى فوق (السّماء)، ويقول لنا: "اتبَعني، وأنا أُعطيكَ حياةً أفضَل، وحياة أبديّة."  إلاّ أنّنا نُجيبه بعناد: "دعْكَ من الأمر.  فعلى الرّغم من معرفتنا بالمصير الّذي ينتظرنا وينتظر جميع الخُطاة، وعلى الرّغم من معرفتنا بما عَمِلتَه لأجْلنا، فإنّنا نريد أن نبقى على هذا الممشى الّذي يقودنا إلى الهلاك، ولا نريد أن نمشي معكَ، لنؤكّد حقّنا في الخيار الحرّ بعَدَمِ قبولِكَ!"  هل بإمكانك يا عزيزي الّذي طرَحتَ السّؤال أن تتصوّر معي أنّنا نُجيبه بهذه الطّريقة؟  هذا هو "رفْضُ المسيح".

إنّ بحثنا النّظريّ في حريّة الاختيار، ومُطالبة الله بعدم مُمارَسة العدالة أو بالتّعامي عن المصير المُحتّم الّذي سيُواجهنا في حال رفْضِنا للمسيح، لا يفيدنا شيئاً.  من الأفضل أن نبحث في كيفيّة الاستفادة من عرض المسيح، بدلاً من أن نُحاجِج الله كي يُغيّر ما ترتَّبَ على الخطاة منذ البداية، في عالم خالِقُه إلهٌ أخلاقيّ وقدّوس، لا يتهاون مع الخطيّة بلْ يقتصّ منها.

أنت ما زِلْتَ حرّاً في أن تفعل ما تشاء، وبمقدورك أن ترفض الّذي أحبَّكَ وأراد أن يُخلِّصَك.  لكن، ليس لديك حقّ في أن تغيّر طبيعة الله وأحكام عدالته.  إنْ كان للنّاس حريّة في أن يختاروا ما يشاؤون، هذا لا يعني أنّ كلّ خياراتهم مُحِقّة ونتائجها مُسِرّة كما يرغبون.  فإنْ نَظَرتَ في وجه المسيح وقلَ له: "دعْني وشأني"، عندها سيتركك وشأنك.  لكن تذكّر أنّك تسير على ممشى مُتحرّك يقودك نحو أبديّة لا تُريدها، ولا يُريدكَ يسوع أن تذهب إليها.  قال الكاتب والفيلسوف الإنكليزي "سي. إس. لويس" مرّة: "السّماء تعُجّ بالّذين قالوا للمسيح: "لتَكُن مَشيئتُك"، وجهنّم تعُجّ بالّذين قالوا للمسيح: "اذهب عنّا، لا نُريدك أن تَملِكَ علينا".  وللفريقَين قال يسوع: "ليكُن ما تُريد".  أنا أُصلّي لكَ كي تُحسِنَ الاختيار.