حكماء أقوياء شرفاء

الموضوع:
العدد:
السنة:

يقلّ في أيّامنا عدد المُميّزين. لم يكونوا يومًا وفيرين. يكتب بولس الرسول واصفًا تركيبة كنيسة كورنثوس الإجتماعيّة، بالقول: "ليس كثيرون حكماء. ليس كثيرون أقوياء. ليس كثيرون شرفاء." فناسها لم يأتوا جميعهم من مدارس الحكمة، وليس جميعهم أقوياء اجتماعيًّا، وليس كثيرون بينهم من عائلات نبيلة إلّا أن ما ميّزهم هو المسيح الّذي آمنوا به.

أمّا المدنيّة المعاصرة فسحقت صفة الحكمة حتّى يكاد لا أحد يعرف ماذا يعني أن يكون الإنسان حكيمًا. هل الحكيم هو الذكي أو الحربوق أو المُدبّج لكلامه؟ أو أن يفهم الحياة وقِيَمها وأهميّة كونه على صورة الله ومثاله؟ ازداد الناس علمًا وازدادوا في الوقت عينه جهلاً وصخبًا وحياة غير مسؤولة. ونسأل: كيف نبني إنسانًا حكيمًا؟ قد يقودنا هذا إلى مناقشة جوهر الحكمة ومن أين تأتي. يحكي يعقوب أخو الرّبّ عن أربعة أنواع من الحكمة: الحكمة الأرضيّة، والحكمة النفسيّة، والحكمة الشيطانيّة، ويُميّزها جميعها عن الحكمة النازلة من فوق. أيا تُرى هل نعرف ما الفرق بين هذه الأنواع الأربعة من الحكمة؟ وهل نعمل على تعزيز الحكمة العلويّة فينا؟ هل ما زلنا مقتنعين أنّها الأفضل لنا أو أنّنا لا نعرفها لنتمسّك بها؟

وماذا عن القوة؟ ومن هو القوي في المجتمع؟ لطالما كانت القوّة تُقاس بالغنى أو بقوّة الجماعة والعائلة والزعيم. ماذا نقول عن قوّة الإنسان الداخليّة، هل ما زلنا نبحث عمّا يُقوّي الإنسان ويحميه من الإنهيار في مجتمع يسحق معالم القوّة الشخصيّة الداخليّة؟ ونطرح: من هو القوي؟ طبعًا إنه ليس المتغطرس ولا المُدّعي ولا الوقح ولا الّذي يسطو على حقوق الآخرين. القويّ هو الّذي يستطيع أن يقول "لا" للخطية وللخيارات الخاطئة المدمرّة للحقّ وللأخلاق وللحياة الإنسانيّة. القوي هو الذي يستطيع أن يقف بوجه رياح الحياة ويصمد. وعد يسوع تلاميذه: "لكنكم ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم". القويّ هو الّذي اختبر نعمة الله ويثبت في الحريّة التي حرّره بها يسوع.

ونصل لمناقشة الكلمة الأخيرة: الشرف. في أيّامنا هذه صرنا نظنّ أن الشرفاء هم وحدهم مشاهير الرياضة والفن والإعلام. طبعًا كلّنا نُريد أن نتميّز ونبرز. لكن هل نَعي أن الشرف في الحياة يأتي من النُبُل الأخلاقيّ والسمو الإنساني وحفظ الإنسان نفسه من حُفَر الحياة القاتلة. ونسأل: ما هو الشرف؟ وما هو مصدره؟ إن الشرف هو هبة الكرامة التي يهبها الله للإنسان وتشوهّها الخطية. يستعيض الإنسان المعاصر عن فقدان الشرف "بالبريستيج" الشخصي. وهناك فرق بين المفهومين. هناك اليوم متخصّصون يعملون على تلميع الصورة وابراز الشخصيّة كشخصيّة نبيلة. يوحنا المعمدان لم يهتمّ كثيرًا بمظهره ولا بطلّته على الناس إلا أنّه كان الأعظم بين المولودين بين النساء. احفظوا التالي وعلّموه لأولادكم أن الشرف يُعطيه الله بيسوع المسيح. ومن لا يحفظ قداسته وبرّه لا يقدر أن يحظى بالنُبُل والمقام الشريف.

حبّذا لو تحفظ هذه الثلاثة: "حكماء، أقوياء، وشرفاء"، وتقول لنفسك: "أنا أريد أن أكون منهم." اطلب ذلك من الرّبّ وهو يُكرمك أن تكون منهم. تعجبني الآية النبويّة وأتمسّك بها: "هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا". هذا وعد الرّبّ لمن يحزم نفسه بحزمة الحياة معه.