دور الآباء في حياة أبنائهم

العدد:
السنة:

" ابي دائما مشغول، لا وقت لديه".

"أبي عصبي أخاف منه... لا أستطيع أن أخبره بالأمر".

هل هكذا هي علاقتك بأولادك؟ كيف ينظرون إليك؟ هل أنت أب فعليّ لهم أم أب صوريّ، لا سمح الله! هل تنظر لأولادك بسرور او كعبءٍ عليك؟ يقول لنا الرّبّ: "هوذا البنون ميراث من عند الرب، ثمرة البطن أجرة". أولادنا أمانة في أعناقنا.

أهمية دور الأب في حياة أولاده

إن دور الأب أساسي جدًّا في حياة الأولاد من لحظة ولادتهم. لقد أثبتت الدراسات بشكل كبير أن الأولاد الذين لديهم أباء فاعلين أظهروا تقدمًا اجتماعيًّا وعلميًّا وكانوا أقل تورطًا بمشاكل سلوكيّة على الأولاد الذين آباءهم أهملوهم.

إن وجود الأب الفعليّ ونوعيّة علاقته بأولاده هي بغاية الأهميّة للصبيّ وللبنت على السواء. الأب هو النموذج الذكر الذي يقتدي به الصبيّ ويرى نفسه من خلاله. فإذا كان صالحًا ساعد ابنه ليتكنّى بجنسه ويحب ذاته كذكر ويتفاعل بطريقة سليمة مع محيطه.

الفتيات أيضًا يتأثّرن جدًّا من العلاقة الوطيدة مع آبائهن ويحصدن آثارًا مستقبليّة كبيرة من ذلك. فإطراء الأب ومدحه ومحبته لابنته جميعها تساهم بشكل أساسي في صوغ شخصيّة مستقلّة واثقة مرتاحة بعائلتها. وهكذا لا تستعجل الفتاة لترمي نفسها على أول شاب، أو كهل، يمدحها ويشعرها بأهميتها فتشعر أنّه ينوب عن أبيها الغائب. فالأب يعطي ابنته نظرة سليمة للرجال وتعاطيًّا سليمًا مع شريك حياتها في المستقبل.

إذًا إن للأب دور مهم جدًّا في اتزان شخصيّة أولاده، ونظرتهم لنفوسهم، وتعاطيهم مع الحياة في المستقبل.

مع تقدم الأيام وعمل النساء واكتفاءهن المادي كثرت المطالبة بحقوق الأمهات المنفردات Single Mothers  مسخّفين بذلك دور الأباء في العائلة... وكأن دور الأب الفعلي كان يقتصر فقط على الإنجاب وإعالة العائلة ماديًّا. وتُركّز معظم دراسات علم النفس الحديث على تأثير الأم موحيةً بذلك أن دور الأب سطحيّ جدًّا.

إن الوقت الذي يمضيه الأب مع أولاده بغاية الأهمية بما فيها فترات اللعب والمرح فهي تترك أثرًا رائعًا في توازن الأولاد العاطفيّ والسلوكيّ. ويبرز هذا التأثير بشكل ملفت خاصة بسني المراهقة وطريقة تفاعل الأولاد مع هذه المرحلة.

إن أثر هذه العلاقة يظهر بنمو الولد ذهنيًّا، أكادميًّا، سلوكيًّا، نفسيًّا، وبشكل خاص بتوازنه نحو جنسه ذكرًا أو أنثى. ومع هذا هناك الكثير من الآباء الذين يهملون دورهم ويقلّلون من الحاجة لوجودهم الفعلي.

تُظهر بعض الدراسات أن الأولاد الذين يعيشون دون آبائهم يُعانون من: ضعف أكاديميّ، وفقر الأحوال، وهم عرضة للتورّط بالآفات الاجتماعية من المخدرات والكحول والمشاكل الجنسية المبكّرة. بالمختصر هؤلاء الأولاد هم أقلّ سعادة في الحياة.

طبعًا نحن لا نقلّل هنا من دور الأم خاصّة في حال الوفاة المبكّرة للأب حيث تضطر أن تُربّي أولادها لوحدها. إلا أنّه وفي هذه الحالة لا بدّ للجدّ أو الخال أو العم أن يلعبا دور الأب ولو بحدّه الأدنى. وبكلّ الأحوال فالوفاة لا تترك نفس الأثر السلبي مثل إهمال الأب وعدم سؤاله عن أولاده لأن الولد يفهم أن غياب والده قسري. أما في حالات الطلاق فلا يجب أن يُمنع الأولاد عن أيّ طرف من أهله... طبعًا في حال ما إذا كان صالحًا.

إن تأثير الأهل لا يقتصر على الطفولة فقط فكثيرًا ما يكرّر الولد ما كان يفعله أهله معه عندما يصبح هو أبًا أو أمًّا بدوره.

كذلك أيضًا كلّما كانت العلاقة بين الأب والأم ناجحة ومثالية كلّما كان تأثيرها أفضل على الأولاد. صحيح أنه من الطبيعي أن يتجادل الزوجان أحيانًا لكن وجود الإحترام بين الاثنين يُعلّم الأولاد كيف يحلّون خلافاتهم بطريقة حضاريّة راقية. ويعلمه كيف يتعامل مع الجنس الآخر وشريك حياته المستقبلي.

ما هو دور الأب المسيحيّ إذاً؟

·       دور الكاهن في البيت. فهو يجب أن يُجسّد المحبّة والعدالة والقداسة أمام أولاده ليستطيعوا أن يفهموا أبوّة الله لهم. "كما يترأف الأب على البنين يترأف الرّبّ على خائفيه".

·       دور الحامي. يجب على الآباء أن يهتمّوا بحماية أولادهم أمنيًّا وجسديًّا كما نفسيًّا وعاطفيًّا وماديًّا.

·       دور المعيل. هذا لا يعني أن الأم لا تعمل أو لا تعين العائلة لكن هذه مسؤولية الأب الأولى.

·       دور المعلم والمرشد. كثيرًا ما يسأل الولد والده عن الكثير من الأمور ليتعلّم منه.

·       دور الرفيق. فهو الذي يلاعب أولاده ويمرح معهم منذ الصغر. كلّ الأولاد يحبّون وجود آباءهم معهم في البيت وبرفقتهم.

·       دور السلطة المُحبّة. لا يجب أن يكون الأب بدون شخصيّة وبدون رأي لكن بنفس الوقت يمارس هكذا سلطة بروح الخدمة. أحلى مثال لذلك هو المسيح شخصيًّا الذي وهو ربّ المجد غسل أرجل تلاميذه.

كيف يحقق الأب المطلوب منه؟

من حقّ كلّ ولد أن ينعم بجوٍّ منزلي سليم وصحيّ وآمن. لذا عليك كأب أن تحب زوجتك وتعاملها باحترام وذلك على مرأى من أولادك أيضا. "وأمّا أنتم الأفراد فليُحبّ كلّ واحد امرأته هكذا كنفسهِ، وأمّا المرأة فلتهب رجلها". إن البيت المبني على المحبة والاحترام حتما يُشعِر الأولاد بالأمان والقبول والاستقرار العاطفيّ والنفسيّ.

إقضِ الوقت دائمًا مع أولادك كمًّا ونوعًا. هذا يؤكد لهم أهميّتهم في حياتك. لا شيء يعوّض عن هذا الأمر. أشعرهم بمحبتك لهم. عبّر لهم كلاميًّا عن حبّك وفخرك بهم. عانقهم فلا شيء يشعر الولد بالأمن أكثر من غمرة الأب. إبحث وناقش كلّ المواضيع معهم براحة. قوموا بنشاطات عائليّة سويّا ونشاطات خاصّة بينك كأب وبينهم. ادع ابنك وابنتك لعشاء خاص من وقت لوقت. يجب أن يعرف الولد أن لديك كل الوقت له عندما يحتاجك. أدّبهم إذا لزم الأمر لكن بحزم ممزوج بالمحبة. تمامًا كما يفعل الرّبّ معنا "لأن الذي يحبّه الرّبّ يؤدبه، وكأب بابن يسرّ به".

بالإختصار كن أفضل نموذج ومثال لهم في حياتهم على كلّ الصعد. دعهم يفتخرون بك. إنهض اليوم حالاً ولا تتأخر. كن ذاك الأب الصالح الذي "يورث بني البنين" وأثره مبارك من جيل لجيل.