صراع الأخوة

الكاتب:
العدد:
السنة:

الحروب حقيقة كونيّة متجذّرة في التّاريخ. منذ هجوم قايين على هابيل حتى اليوم والنّزاعات مستمرّة بين البشر. لم تقوَ  المعاهدات والمواثيق الدوليّة ومنظّمات السّلام من حدّ التسلّح أو إزالة تهديد الحرب. لا يتوقّف الأمر على الحروب بين الدّول، فهناك حروب على كافّة مستويات الحياة. ثمّة حروب إقتصاديّة بين المؤسّسات التجاريّة العالمية، كحرب النّفط والغاز والنّزاعات حول الماء. يناقش الرسول يعقوب هذا الموضوع الهامّ في رسالته شارحًا ثلاثة أنواع من الصّراعات الشّاملة، والعابرة للحضارات والمجتمعات والطّوائف والعلاقات الإنسانيّة على كلّ الصّعد. يتناول هذا المقال موضوع الصّراع بين الإخوة. المقصود بالإخوة من تجمع بينهم رابطة قُربى، في الدّم أو في الإيمان أو في الإنسانيّة.  

 

صحيح أنّه جاء في المزمور "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معًا!" (مز 133: 1). إلّا أنّ الأخوة والأقارب كثيرًا ما يتخاصمون. وها لوط يتخاصم مع عمّه ابراهيم وسبّب خلافًا حادًّا وانقسامًا في العائلة. اختلق أبشالوم صراعًا عنيفًا مع أبيه داود وسبّب تشنّجًا وحزنًا في العائلة وثورة أهليّة في الدّولة. تشاجر تلاميذ يسوع وتخاصموا في من هو الأعظم بينهم.

نظرة فاحصة للكنائس المحليّة الباكرة في العهد الجديد تكشف وجود عدم وفاق وخلاف داخلها. تنافس أعضاء كنيسة كورنثوس في اجتماعاتهم العامّة ورفعوا قضايا قانونيّة ضدّ بعضهم في المحاكم. الإخوة المؤمنون في غلاطية كانوا "ينهشون ويأكلون" واحدهم الآخر. وعظ بولس الإخوة في أفسس ليحافظوا على روح الوحدة ورباط السلام بينهم. عانت كنيسة فيلبي المحبوبة من مشاكل بين الأعضاء؛ لم تتمكّن أفودية وسنتِخي من التعايش معًا في سلام. ويشير الرسول يعقوب في رسالته الى أنواع متعدِّدَة من الخلاف والنزاعات بين الإخوة القديسين.

صراعات طبقيّة

حرب تنافسيّة طويلة الأمد بين الأغنياء والفقراء. يحظى الغني بكامل الإهتمام ويتمّ تجاهل الفقير؛ يُكرم الغني ويُحتقر الفقير. المأساة حين تتشوّش القيم في الكنائس المحليّة فتسعى لتلبية احتياجات الأغنياء وتتجاهل الفقراء أو ترفضهم. تصبح الكنيسة خارج دائرة مشيئة الله حين تعتمد الشّركة فيها على المظاهر الخارجيّة كثياب أعضائها ووضعهم الإقتصادي.

حروب العمالة والتّوظيف

في هذا الصّراع يظهر مرّة ثانية الغني صاحب العمل، وقدرته على السّيطرة والإضرار بالفقير الموظَّف لديه. لا ينال العمّال أجورهم العادلة، ولا يحصلون عليها في التّوقيت الصّحيح، ولا يتمتّعون بكامل حقوقهم. على الرغم من الإتحادات العماليّة وتشريعاتها والحركات العمالية الحديثة لا يزال كثيرون لا يحصول على وظائف جيدة، أو دخل مقبول ومناسب.

النّزاعات الكنسيّة

يظهر أنّ من يكتب لهم يعقوب كانوا في حالة حرب على المراكز الكنسيّة في القيادة والتعليم. درسوا كلمة الربّ، وبدلًا من أن تزيدهم نضوجًا ملأتهم زهوًا وعرّجت بهم إلى الجدل والنّقاش الحادّ والصّراع. ظنّ كلٌّ منهم أن أفكاره وأساليبه هي الوحيدة الصّحيحة. سيطر على جماعاتهم روح الطّموح الأناني وليس الخضوع الروحي.

 

 

الخلافات الشخصيّة

"إخوة" قدّيسون لكنهم يغتابون بعضهم ويحاكمون واحدهم الآخر. هذا استخدام خاطئ للّسان وللصّلاحيّة. يجب على المؤمنين أن يكونوا "صادقين في المحبة"، ويتكلّموا الحق بوداعة المسيح. يتجنّبوا الشرّ والكلام المؤذي والممتزج بروح التّنافس والإنتقاد اللاّذع. حين تظهر حقيقة تضرّ بأخ مؤمن يجب التستّر عليه بروح المحبة "لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" (1بط 4: 8). إذا أخطأ، يُعالج شخصيًا لكسبه وإرجاعه.

 

لا يمنع الكتاب المقدّس امتلاك حسّ التمييز وتقييم الناس. لكنّه يحثّ "الأخوة" للإبتعاد من روح الإدانة. الدّينونة لله وحده فهو طويل الرّوح ومتفهّم وحنّان، ودينونته عادلة، وأحكامه مقدّسة. فلا يجب الجلوس في كرسيّه! من الضّروري أن يمتحن المرء ذاته وسلوكيّاته الأخلاقيّة بإقتلاع الخشبة من عينه قبل إخراج القذى من عين "أخيه". لا يعرف البشر كلّ الحقائق مجتمعة في أيّة قضيّة. ولا يعرفون الدّوافع والحوافز في قلوب الآخرين. فلئلا يُخطئوا ضدّ بعض بأحكام تعسّفيّة مبنيّة على أدلّة جزئيّة، أو بأقوال خبيثة مبنيّة على دوافع غير صافية، عليهم ترك الأمور بين يدي الرب.

مصدر الحروب

يسأل يعقوب، "من أين الحروب والخصومات بينكم؟ أليست من هنا من لذّاتكم المحاربة في أعضائكم؟ (يعق 4: 1). الحرب في داخل القلب تسبّب الحرب في الكنيسة أو في العائلة. "ولكن إن كان لكم غيرة مرّة وتحزّب في قلوبكم فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق. لأنه حيث الغيرة والتحزّب هناك التّشويش وكلّ أمر رديء" (يع 3: 14 و16). جوهر الخطيّة هو الأنانية أي الّتلذّذ بالاقتناء وليس بالعطاء. الشّهوة المحاربة في الذّات هي شهوة الامتلاك. من أجلها يستبيح الإنسان الكثير من المعاصي والشرور. الطّمع، ابن الأنانيّة، يجعل الإنسان يقتل ويكذب ولا يكرم اباه وأمه ويزني وبطريقة ما يدنّس كل وصايا الله الأخلاقيّة. عصت حواء الرب وأكلت من ثمر الشّجرة الممنوعة لأنها أرادت أن تصير حكيمة مثل الله. كذب ابراهيم بخصوص سارة زوجته لأنّه بأنانيّته أراد أن ينقذ حياته الشخصية. عخان بن كرمي سبّب انكسار شعب الرب في معركة عاي لأنه اشتهى لنفسه من مغانم مدينة أريحا وسرقها. وضع الله إثمنا على المسيح لأننا "ملنا كلّ واحد إلى طريقه".

 

الرّغبات الأنانيّة خطرة جدًّا. تقود الى أفعال وتصرّفات خاطئة، وإلى رفع صلوات غير مناسبة، "تطلبون ولستم تأخذون، لأنكم تطلبون رديّا لكي تُنفقوا في لذّاتكم". حين تنحرف صلوات المؤمنين تنحرف معها كلّ حياتهم الروحيّة. عندها يُصلّون ليس لإشباع ارادة الله إنما لإشباع شهوة الإنسان. ليس هدف الصلاة أن تتحقّق مشيئة الإنسان في السّماء بل أن تتحقّق مشيئة الله على الأرض. التصرّفات الأنانيّة كما الصّلوات الأنانيّة تقود دائمًا الى الخصومة. حين تشتعل الحرب في القلب ستُشَنُّ حرب في العلاقات. الحروب الأنانيّة تنزع من صاحبها كلّ فرح وسعادة؛ فلا يتمتّع بحياته. وبدلاً من تقديم الشّكر على البركات الّتي ينالها ينفجر فيه بركان التذمّر على البركات الّتي لم ينلها وليست له. لا يستطيع التعايش مع الآخرين ومرافقتهم لسبب حسده المستمرّ لما يملكونه ويفعلونه.

من المؤسف أن يكون "الإخوة" في حرب وخصام مع بعض، وأن يتنافس القادة فيما بينهم، وأن تتنازع الكنائس على الزعامة وتتصارع. يشاهد العالم هذه الحروب الدينيّة بين الإخوة ويتهامسون، "أنظروا كيف يتقاتلون ويكرهون بعضهم". لا عجب أن يذكر يسوع في صلاته التشفعيّة من جل تلاميذه عبر العصور، "ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني" (يو 17: 21).