طابيثا... إمرأة لا غنى عنها

العدد:
السنة:

"وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثا، الذي ترجمته غزالة. هذه كانت ممتلئة أعمالاً صالحة وإحساناً." (أعمال 9: 36). يخبرنا الوحي المقدّس عن الأحداث التي جرت في يافا، المدينة ذات المرفأ على البحر الأبيض المتوسط. ولأن البحر التهم الكثيرين من الصيادين، امتلأت المدينة بالنساء الأرامل، اللواتي خسرن أزواجهن الصيّادين ومصادر رزقهنّ. وبات أولادهنّ يتامى. أما طابيثا، أو غزالة وهي اسم على مسمّى، فنشطت في عمل الصلاح. لم تضيّع الوقت في أمور باطلة أو قليلة النّفع، بل خدمت المسيح بصمت في كنيسة يافا. وعاونت الرسل؛ وهي المرأة الوحيدة في الكتاب المقدّس التي حظيت بلقب "التلميذة". وقد تشبّهت بسيدّها المسيح الذي أنار قلبها وصار مخلّصها. وترجمت إيمانها بعلاقة طيّبة مع الله وبخدمة الآخرين: لأنّ من يعرف الرب ويتبعه يظهر للناس رحمة وشفقة كما فعل المسيح.

لم تكن طابيثا نبيّة كمريم أخت موسى، أو قاضية للأمة كدبورة. ولم تلعب دوراً هاماً في تاريخ بلدها، كما يبدو أنه لم تُتَحْ لها فرصة أن تصبح أمّاً وتؤثّر في المجتمع من خلال عائلتها. إلا أنها اتقنت عملاً واحداً هو الخياطة. وهي مهنة مارستها نساء كثيرات في ذلك الوقت، لكن ما يميز طابيثا هو رغبتها في خدمة الآخرين. وأظهرت اهتمامها بالأرامل والأيتام المحتاجين في مجتمعها. ووفّرت لهم الكسوة الأساسية وأصبحت خادمة لا تُعوَّض في الكنيسة.

أمكن مصممة الأزياء هذه أن تعمل لحساب وجهاء البلد. إلا أنها اختارت أن تؤمّن حاجات الطبقة الأكثر حاجة. لم تسع لإبهار الآخرين بعملها، بل خاطت ما لزم من ثياب وعباءات للصغار وللكبار. ولم تتملّكها رغبة حب الظهور والتنافس مع النساء الأخريات، بل أرادت أن تعمل بالطريقة التي يريدها الله. وشعرت بالسعادة الداخلية وتمكّنت من نشر السعادة بين الآخرين.

في يوم، حلّت فاجعة مفاجئة بالكنيسة. لم تعدْ هاتان اليدان المجتهدتان قادرتين على العمل ولم يعد في استطاعة هذا القلب الرقيق والأحشاء الحنونة بثّ الفرح في الآخرين كالسابق، إذ رقدت طابيثا جثة هامدة بعد صراع مع المرض انتهى بالموت.

إلا أن أحدهم تذكّر أن بطرس الرسول موجود في اللدّة، على بعد عشرة أميال عن يافا، فأرسل في طلبه. علم الأخوة أن ألله ميّز بطرس ومنحه موهبة الشفاء. فقد سمعوا عن مرضى شفوا لمجرّد وقوع ظلّه عليهم. وعُلّقَت عليه الآمال. وللحال حضر بطرس وتجمعت النساء من حوله باكيات وأخبرنه عن الخسارة الكبرى التي مُنين بغياب طابيثا. وأرينه محبتها العمليّة لهن. وأظهرن له عيّنات من الثياب التي خاطتها لهنّ. طلب بطرس من الجميع الخروج وجثا على ركبتيه وصلى، ثم التفت إلى الجسد وقال: "يا طابيثا قومي" ففتحت عينيها وقامت من الموت.

كتب الوحي أنه بعد قيامة طابيثا انتشر الإنجيل في كل أنحاء يافا. وهكذا فإن هذه المرأة صاحبة القدرات الاعتيادية مجّجت المسيح بطريقة غير اعتيادية لأنها صمّمت على أن تحقق مشيئة الله في حياتها بغضّ النظر عن طموحاتها الشخصية أو عما يفرضه عليها مجتمعها.