فارس الخوري: رئيس حكومة الإستقلال في سوريا

لمَعَ في سوريا اسم رئيس الوزراء فارس الخوري (1877-1962) اللبنانيّ الإنجيليّ من بلدة الكفير في قضاء حاصبيا. وُلِد فارس في بيت والد أورثوذكسيّ اعتنق البروتستانتيّة وانضمّ إلى الكنيسة الإنجيليّة المشيخيّة، وكان نجارًا يدير أملاكه الزراعيّة وقد وجّه أولاده نحو الإيمان والعلم وحبّ الوطن. تلقّى فارس علومه الابتدائيّة في مدرسة القرية ثم درس في مدرسة الأميركان في صيدا التي انتقل منها إلى الكليَّة الإنجيليَّة السوريّة فتخرّج عام 1897. مارس الخوري تعليم الرياضيّات واللغة العربيّة أثناء دراسته متنقلًا بين المدارس الإنجيليّة في زحلة ومجدل شمس وصيدا، وبعد تخرّجه درّس في الكليّة الإنجيليّة السوريّة التي صارت في ما بعد الجامعة الأميركيّة في بيروت.

رجل القانون والنضال والمؤسسات

ذهب فارس إلى دمشق ملبيًا دعوة المدارس الأورثوذكسيّة لإدارتها، حيث عمل أيضَا ترجمانًا للقنصليّة البريطانيّة (1902-1908). كان الخوريّ جديًّا وشديد الذكاء ومُحبًّا للعلم وللغات والآداب ولدراسة القانون وامتهن المحاماة وانتسب إلى جمعيّة الاتحاد والترقّي التي بدأ فيها نشاطه السياسيّ فانتخب نائبًا عن دمشق في "مجلس المبعوثان" العثماني عام 1914. وإذ كان الخوري يتوق إلى استقلال بلاده، أيّد الثورة العربيّة بقيادة الشريف حسين، فتعرّض للتوقيف والمحاكمة في عاليه، فنفاه جمال باشا إلى اسطنبول عام 1916. 

وبعد انتصار الملك فيصل وتحريره سوريا وإعلانه ملكه عليها عام 1918، عُيّن الخوري عضوًا في مجلس الشورى ومن ثم وزيرًا للمال في ثلاث حكومات "فيصليّة" دامت حتى بسط الانتداب الفرنسيّ سلطته على سوريا عام 1920. وكان للخوري الفضل في تأسيس وزارة المال ورسم هيكليّتها ووضع نظمها واختيار أفضل موظفيها. وشارك مع أكاديميّين آخرين في تأسيس المجمع العلميّ العربيّ ومعهد الحقوق في دمشق عام 1923. وكان نقيبًا للمحامين خمس سنوات. ووضع ثلاثة مؤلفات في القانون هي: "أصول المحاكمات الحقوقيّة" و"موجز في علم الماليّة" و"صك الجزاء". عُيِّن عام 1926 وزيرًا للمعارف وأسّس مع عبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيّين حزب الشعب الذي أيّد الثورة السوريّة فاعتقلته سلطات الانتداب ونفته إلى معتقل جزيرة أرواد أولًا ومن ثم إلى خارج سوريا.

من مقاومة الإنتداب إلى رئاسة مجلس الوزراء

عاد فارس الخوري إلى سوريا وشارك في تأسيس الكتلة الوطنيّة التي قادت حركة المعارضة والمقاومة ضدّ الفرنسيّين مطالبًا بإلغاء انتدابهم. تكلّل نضال الكتلة بالاتفاق مع سلطات الانتداب على إجراء مفاوضات في باريس، فتشكّل وفد لذلك كان الخوري نائبًا لرئيسه عام 1936. وفي العام نفسه انتخب فارس رئيسًا للمجلس النيابيّ السوريّ، وأعيد انتخابه للمنصب عينه عام 1943. وتولّى رئاسة مجلس الوزراء ووزارة المعارف والداخليّة والأوقاف أيام الرئيس شكري القوتلي عام 1944. ورئس عام 1945 الوفد السوريّ إلى اجتماع منظمة الأمم المتحدة لمناقشة موضوع استقلال بلاده. وهناك أبرز مقدراته الدبلوماسيّة والخطابيّة وشارك في التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة نيابة عن سوريا. يُحكى عنه أنّه دخل قاعة اجتماع هيئة الأمم وجلس على المقعد المُخصّص لمندوب فرنسا. وإذ حاول هذا الأخير مرارًا إقناعه بالانتقال إلى مقعده، جعله الخوري ينتظر طويلًا بينما كان ينظر إلى ساعته. وفي اللحظة الأخيرة، وقف الخوري وقال له: "يا سعادة السفير، سوريا احتملت سفالة جنودكم خمسًا وعشرين سنة وأنت لم تستطع أن تحتملني خمسًا وعشرين دقيقة؟ أما آن لسوريا أن تستقل؟" ترأس الخوري، من ثم، مجلس الأمن عام 1947، وفي العام نفسه، عاد إلى دمشق ليُنتخب رئيسًا لمجلس النواب. وعام 1954 طلب منه الرئيس هاشم الأتاسي تشكيل الحكومة وترؤسها.

فارس الخوري والدولة العلمانية الديقراطية

اشتهر فارس الخوري بمواقفه المدافعة عن استقلال سوريا ورفض تجزئتها دويلات، وعدم ذوبانها مع مصر أو في أيّ وحدة عربية وبمعارضته الشديدة لانسلاخ لواء الإسكندرون وبدفاعه عن قضية فلسطين وبمعارضته إقامة دولة يهوديّة فيها. وعَكَسَ الخوري في مسيرته السياسيّة والوطنيّة، كاملة، تربيته الإنجيليّة التي تُشدّد على حبّ الوطن والتفاني في خدمته بوحي اقتناع عميق بفصل الدين عن الدولة من أجل قيام دولة ديمقراطيّة عصريّة يحكمها القانون والنظم الإداريّة السليمة وتحفظ حقوق جميع مواطنيها على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم الدينيّة. وطوال مدة خدمة الخوري بلاده، كان يُشدّد على أهميّة ترسيخ السلام العالميّ محذرًا من استخدام الأسلحة الذريّة المدمّرة.

عمل فارس الخوري في الشأن العام طوال خمسين سنة ودخل التاريخ من بابه العريض كأوّل رئيس وزراء ورئيس مجلس نواب مسيحيّ وكأحد مؤسّسي دولة سوريا الحديثة. وبعد اعتكافه السياسة، بَقِيَ الخوري يحضر جلسات لجنة القانون الدوليّ في جنيف إلى أن توفي عام 1962.

العدد:
السنة:
الشهر: