فوائد دراسة التّاريخ المسيحي

الكاتب:
العدد:
السنة:

يهمل البعض دراسة التّاريخ ظنًّا أنّها مملّة ورتيبة ولا تتّصل بحياتهم. ينسون أنّ الماضي يضع أساسات الحاضر والمستقبل. الإهتمام بمسيرة الكنيسة عبر العصور يُجني المسيحي فوائد جمّة وبركات لا حصر لها. الإيمان المسيحي الرّاسخ هو قصة حدث تاريخي لا مجرّد فكر فلسفي ومبدأ مجرّد. صرّح فرانسيس شايفر، "أؤمن أن يسوع عاش ومات وقام في زمن تاريخي محدّد. لولا الحقيقة التاريخية لهذه الأحداث لهلكت إلى الأبد". تاريخ الكنيسة للمسيحي هو تاريخ عائلته. يطالعه كمن يتصفّح ألبوم صور مكتشفًا تراثًا عائليًّا ثمينًا وحميمًا ومُلهِمًا.      

 

التّاريخ مصدر للثّقافة

 التبّحر في التّاريخ يرشد إلى ميناء الحقيقة بعيدًا عن شواطئ الجهل. قال الفيلسوف القديم شيشرون، "جهل الإنسان لأحداث ما قبل ولادته يبقيه طفلًا أبدًا". التّاريخ يُنضج الذّهن إذ يؤصّله في الواقع. فتمتدّ جذوره إلى فعل الحدث لا إلى الفرضيّة أو مجرّد التمنّي. تمتلك الكنيسة المسيحيّة ماضٍ مجيد ومُخترَق في آن. تمامًا كالسّجلّ الكتابي لتاريخ شعب الربّ في العهد القديم. حيث تختلط الأحداث بين مآثر إيمانيّة عظيمة وسقطات في الخطيّة فادحة. يعود السّبب لأنّ فاعل الحدث هو الإنسان. البشر هم الّذين شكّلوا الكنيسة في مختلف حقبات التّاريخ. كتب المؤرّخان جون وودبريدج وفرانك جيمس: "يذكّرنا تاريخ الكنيسة أنّ المسيحيّين في آن هم جُناة حمقى وجبابرة جسورين للحق. قد يغرقون في الأنانيّة والمصالح الذاتيّة وقد يشتهرون بالتّواضع والسّخاء. يمكن لمسيحيّ فرد تجسيد صفات متضاربة. في بعض الأحيان يظهر أبطالنا بتصرّفات معيبة... لكنّ الله يعمل من خلال الأثمة ليحقّق مقاصده الخيِّرة".

 

دراسة التّاريخ لها فوائد تثقيفيّة كمصدر للمعلومات تساعد على نضج التّفكير. التّركيز على الحاضر يؤدّي إلى قصر النّظر روحيًّا. دراسة الماضي توسّع آفاق المسيحي وتحرّره من المنظور الضيّق للأمور. وتعتقه من الإنفعالات العاطفيّة تجاه المطالب الآنيّة الملحّة. أوضح المؤرّخ جون أكتون، قائلاً "يشفي التّاريخ المسيحيّين ليس فقط من التّأثيرات السّلبية للماضي بل أيضًا من تأثيرات الحاضر غير الملائمة؛ يحرّرهم من طغيان البيئة المحيطة والهواء غير النّقي الذي يتنفّسونه".

 

من السّهل التحسّر على عصور ذهبيّة خلت وتمنّي الرّجوع إليها. التمنّي يضع المسيحي في خانة الوهم. يتعلّم الباحث في التّاريخ أنّ لكلّ عصر، مهما كان ذهبيًّا، هفواته. فيبني على بركاته والمعرفة العقائديّة الّتي أدركها ليصل إلى مستويات إيمانيّة أعلى. لم تعرف الكنيسة عصرًا لم يتطلّع فيه المسيحيّون إلى المجيء التّاني للمسيح كمرساة للنّفس وسط أنواء الأحداث الصّاخبة. ثقافة الماضي تقود إلى ثقافة المستقبل وليس العكس.

 

التّاريخ منارة وإلهام

يشبه دارس التّاريخ إنسانًا يرفع مشعلاً ينير أمامه الطّريق. أحداث الماضي تسلّط ضوءًا لإدراك ماهية الإتّجاهات والظّروف الحاليّة، وكيف وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن. التحدّيات الّتي تواجه الكنيسة اليوم سبق وتعاملت معها في عصر سابق. على سبيل المثال، ينكر المورمون ألوهيّة المسيح. فهو أسمى مخلوق إلهيّ وليس الخالق. هذا الإعتقاد الخاطئ وُجد في القرن الثالث. عالجه أثناسيوس في كتابه "عن التجسّد". من يقرأ الحجج الّتي يقدّمها أثناسيوس ضدّ المبتدع آريوس يعرف كيف يردّ على جوزف سميث مؤسّس المورمون. الحدث في القرن الثالث ينير طريقًا أمام المسيحي.

 

السّير الذّاتيّة لشخصيّات التّاريخ كثيرًا ما تكون ملهمة ومحفِّزة. البعض يشعر بالإثارة لمجرّد مشاهدة فيلم لشخصيّة تاريخيّة. يتطلّع إليه كبطل ينير دربه فيحذو حذوه. يمتلك من جوناثان إدواردز الذّهن الرّوحي، ومن أدونيرام جدسون العزم الثّابت، ومن جورج مولر الإيمان العملي، ومن مارتن لويد جونز قوّة الإقتناع الكتابي المحافظ. غالبًا ما يستخدم الرب السّير الذاتية للتّشجيع الرّوحي، وإثارة الولاء للمسيح، والحماس للعمل الإرسالي. من يسير في إثر أبطال الإيمان الأقدمين يتعلّم المثابرة في الجهاد الرّوحي الحاضر وتحمّل مشقّات الحياة المعاصرة بصبر. التّاريخ مصدر قوي للإلهام والتّنوير.

 

التّاريخ منبر للتّواضع

يرفع التّاريخ السّتارة عن جبابرة الإيمان وجهابذة الفكر المسيحي. فيكتشف المتفرّج على عمل أسلافه، أنّه بذاته ليس عظيمًا كما يظنّ، فينحني إجلالاً وتواضعًا. كتبت بيثان عن زوجها مارتن لويد جونز أحد أعظم وعّاظ القرن العشرين، "مارتن هو أوّلًا رجل صلاة ثم مبشّرٌ". هذا القول يجعل وعّاظ اليوم يفكّرون مليًّا قبل توصيف ذواتهم.

 

من يتطلّع إلى أمير الوعّاظ تشارلز سبرجن لا يتبجّح بإنجازاته. ملأت مواعظه ثلاثة وستّين مجلّدًا؛ إنّها أكبر مجموعة لمؤلّف واحد في تاريخ الكنيسة. كان يقرأ ستّة كتب في الأسبوع ويتذكّر محتوياتها. طالع كتاب "سياحة المسيحي" أكثر من مئة مرّة في حياته. انضمّ إلى عضويّة كنيسته أربعة عشر ألفًا وأربعمئة وستّين (14،460) شخصًا؛ قابلهم بنفسه وفحص أهليّتهم للعضويّة. درّب تسعمئة رجلاً على الخدمة الرعويّة. أسّس دارًا للأيتام. حرّر مجلّة. أنتج أكثر من مئة وأربعين كتابًا. تلقّى حوال خمسمئة رسالة أسبوعيّا، وردّ عليها. كان يطبع في كلّ أسبوع خمسة وعشرين ألف نسخة من عظته يوم الأحد، ويعظ عشر مرّات في كنائس مختلفة. كلّ هذه وهو يعاني من مرض النّقّرس وداء المفاصل والتهاب مزمن في الكلى. سبرجن، وغيره من أشخاص الماضي وأحداثه، محفّز للتّواضع والوداعة والتّكريس والإنجاز.

 

التّاريخ يمجّد الله

يُخفق بعض المعلّمين في تدريس التّاريخ. يمتعض بعض الطلاّب من حفظه. لكنّه ممتع حين يُعلَّم جيِّدًا. عندها يصبح اكتشافه مشوّقًا والغوص فيه مثيرًا. يلتقي دارس التّاريخ رجالاً عظامًا لا يحلم بمرافقة أمثالهم. ويزور أماكن خلاّبة لم تعد موجودة. ويتواجه مع حضارات غابرة ومُلهِمَة. التعمّق في درس التّاريخ مغامرة رائعة. المسيحي يُسرّ حتمًا ويمجّد الله حين يكتشف تُراثه الرّوحي. تنتعش روحه وهو يرى أمانة الله وثباته عبر العصور. يراقبه وهو ينقذ شعبه ويحفظهم ويستخدمهم على الرّغم من ضعفاتهم، فتغمر قلبه أمواج الشّكر والثّناء، ويتعبّد أمامه. ليس التّاريخ عمل النّاس وحسب، فهو بالأولى عمل الله. ليس المسيحيّون من حفظوا الكنيسة والكتاب المقدّس، بل المسيح الذي قال، "أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18 16). يسوع المسيح هو بطل الماضي والحاضر والمستقبل. البطل المثالي بلا منازع.

 

شعب الكنيسة اليوم قادمون من تاريخ مجيد. تاريخ محبّة الله وفدائه وتحرّكه في العالم. ويتّجهون نحو مستقبل باهر مليء بالرّجاء الحي. من المفيد إذًا أن يلتزم كلّ مسيحي في قراءة كتاب عن تراثه التّاريخي مرة في السّنة على الأقلّ.