كلمة الصحافي الأستاذ حبيب يونس في كتاب "الوحي المعصوم"

الكاتب:
العدد:
السنة:

كلمة الصحافي الأستاذ حبيب يونس

في كتاب "الوحي المعصوم" وحلقة "رح نبقى" هون حول الإنجيليّين

بيت الطبيب 7 تشرين الأول 2017

 

أسعدَ اللهُ كتابَ حضورِكُم...

أسعدَ الله وحيَ الرُّوحِ القدسِ فيكُمْ.

 

ما جئتُ أقرأُ في كتاب...

جئتُ، فحسبُ، أكشِفُ صفحةً واحدةً من كتابٍ قديمٍ، كتابٍ من لحمٍ ودمٍ وروح، عنوانُه إدكار طرابلسي.

أمَّا تلكَ الصَّداقة التي ترقى إلى أربعينَ من الأعوامِ... بيننا، فلا أوانُها هنا، ولا مطارحُها... تبقى في مكتبةِ القلبينِ والوِجدانينِ كتابًا مُشْرعًا على الوفاءِ المرفوعِ بالابتسامةِ الظاهرة على محيَّا هذا الإنسانِ الإنسان، مختصرَ إنسانيَّةٍ تنضحُ عطاءً، نهرُ كرمٍ هي وإِباء.

يصطحبُني القِسِّيس طرابلسي إليهِ... كما خاطئٌ إلى توبة. أجدُ راحةً روحيَّة أنَّى حضرَ، ومهما فعلَ، وكيفما تكلَّمَ، وأنهبُ معه طُرقَ الهمومِ والتَّبِعاتِ، من قُصاصةِ ورقٍ إلى مخيَّم، من عظةٍ على جبلِ المحبَّةِ إلى رِحلةٍ في الكِرازةِ والتَّبشير، من لفتةٍ إلى محتاجٍ، إلى عملٍ اجتماعيٍّ إنسانيٍّ عام.

لكنَّني اصطحبتُه، ذاتَ حلَقةٍ تلفزيونيَّة، إلى برنامَج "رح نبقى هون"، على شاشة "أو تي في"... حيث كنتُ أقرأُ تاريخَ لبنانَ، بكلِّ أبعادِه، معَ أهلِ اخْتصاصٍ ومؤرِّخينَ، مستندًا إلى ثلاثةٍ: الوثيقةِ والمنطقِ والحقيقة. فانكشَفَتْ أمامي حقائقُ، لو تُعتمدُ لاتَّفقنا على كتابِ تاريخٍ موحَّد، وَلو نُقرُّ بها على حقيقتِها، لانتَفَتِ القراءاتُ السِّياسيَّةُ والعقائديَّةُ لأحداثٍ وقَعَتْ، ولا تحتملُ تفاسيرَ واجتهادات.

مُشكلتي، أيُّها الأحبَّةُ، أنَّني لبنانيٌّ، ابنُ مدرسةٍ في الأخلاقِ والسِّياسةِ والسُّلوك، لا تُنكرُ حقيقةً مهما كانت عاريةً مُرَّة، وشعارُها "العِلَّة هي جهلُ الذَّات، والدَّواءُ هو معرفتُها" كما هي على حقيقتِها، لا كما يريدُها هذا أو ذاك، ليفرِضَها على هذا وذاك.

ذاتُنا اللُّبنانيَّة، بجوامعِها المشتركةِ، بتنوُّعِها، بتناقضاتِها، هي كلٌّ لا يتجزَّأ. هي كلُّها نحنُ، وإن لم يعجِبْنا فيها جانبٌ، أو حال. واعترافُنا بها، على حقيقتِها، وَقَبولُها مثلما هي، يُسقِطانِ من أذهانِنا فكرةَ العزلِ، أو الرَّفضِ، أو الإلغاءِ، أو الهيمنةِ، أو التَّسَلُّطِ، أو الاستقواء... ويَفْسَحان في المجالِ أمامَ العبقريَّةِ اللُّبنانيَّة، وأصرُّ على كلمةِ العبقريَّةِ، أن تبتدعَ لهذهِ الذَّاتِ صيغةً تجعلُها واحدًا، ولو تنوَّعَتْ، وعطاءً للجميعِ ولخيرِ الإنسانيَّةِ.

ليسَ هذا مجرَّدَ كلام. ولا تمنيات. إنَّه حقيقةٌ تبدأُ بمعرفَةِ الذَّاتِ، انطلاقًا من الثَّقافة، بمعناها الشَّامل، أنتروبولوجيا، وتاريخًا، وجغرافيا، وموقعًا، ومناخًا، وبيئةً، وتراثًا، وأديانًا، وأغنيةً، وقصيدةً، ودبكةً، ورقصةً، ولوحةً، ومنحوتةً، ومرويَّة شعبيَّةً، وعاداتٍ وتقاليدَ.

أيًّا تكنْ أصولُ الشَّعبِ اللُّبناني وجذورُه؛ أيًّا تكنْ دياناتُ أهلِه؛ في أيِّ منطقة قَطنوا؛ مهما اختلفوا على تفسيرِ واقعةٍ تاريخيَّةٍ أو تحليلِ حِقْبة؛ أَصلُّوا راكعينَ أم صَلُّوا واقفين، وقرأوا في هذا الكتابِ أو ذاك، أم حتَّى ألحدوا؛ سواءً طوَّحوا في الغناءِ أم سرَّعوا الإيقاع؛ مهما اختلفَتْ لَهَجاتُهم... فهذه حقائقُ يمكنُ أن تُصبحَ حقيقةً واحدةً، إذا أرادوا. ومَن قالَ إنَّهم لا يُريدون؟

هذهِ الحقيقةُ إذا عُرِفَتْ، كما هي، منذُ النَّشأةِ، وتعزَّزَتْ في المدرسةِ والتَّنشئةِ ووسائلِ الإعلامِ والتواصلِ والممارسةِ اليوميَّة، في كلِّ جوانبِ الحياة، من ضمنِ مؤسَّسةٍ جامعةٍ للتُّراثِ اللُّبنانيِّ، الغنيِّ والعميقِ والكثيف، وتعمَّمَتْ في الدَّاخلِ، وعلى شعوبِ الأرضِ قاطبةً، رسالةً وقيمًا وأعمالًا وإنتاجًا، وحدَها القادرةُ على استعادةِ لبنانَ، دورًا رياديًّا، أدَّاه أكثرَ من مرَّةٍ عبرَ التاريخ.

قد يكونُ لبنانُ تجربةً، من حيثُ كونُه رسالةً وحياةً مشتركةً بين متنوِّعاتٍ ومتناقضاتٍ أحيانًا، سبقَتْ عصرَها، في زمنٍ تتَّجِهُ الثَّقافاتُ والدَّساتيرُ والقوانينُ إلى إنصافِ كلِّ فردٍ، لا كلِّ مجتمعٍ أو مجموعةٍ أو دولةٍ فَحسب... فهلْ يَسيرُ لبنانُ عَكْسَ سَيْرِ التَّاريخِ، بعدما فَطِنَ العالمُ أنَّ خَطَّ السَّيْرِ اللُّبنانيَّ هو الصَّحيحُ؟

تجربةٌ سَبَقَتْ عصرَها، ربَّما هي ما لمْ يُدْرِكْهُ كثرٌ من اللُّبنانيِّينَ. والإنسانُ عدُوُّ ما يجهل.

لكنَّ ثمَّةَ من يعرفُ قيمةَ هذه التَّجرِبةِ، ويجْهَدُ كي تترسَّخَ. وهيَ تترسَّخُ بالاعترافِ أوَّلًا، وقبلَ كلِّ شيءٍ، بأنَّ كرامةَ الإنسانِ من كرامةِ الله، وينبغي أن يكونَ الإنسانُ قيمةً في ذاتِه، كما هو اللهُ القيمةُ المطلقةُ...

ما أرَدتُه في الحلَقةِ مع القسيس طرابلسي عن تاريخِ الكنيسةِ الإنجيليَّة في لبنانَ، ومع غيرِه مِمَّنْ أضأتُ معهم على تاريخِ جماعاتٍ وطوائفَ لبنانيَّةٍ أخرى، أن أتعرَّفَ إلى ذاتي اللُّبنانية، بميزاتِها جميعًا، وبعِلَلِها جميعًا، وأن نجدَ الدَّواءَ الأنجعَ لها كلِّها.

أعترفُ بأنَّني "زربتُ" القِسِّيس أسبوعًا وسطَ جدرانٍ أربعةٍ وتحتَ سَقْفٍ واحدٍ، كي يُحَضِّرَ لتلكَ الإطلالة التي أَحَطْنَا خلالَها بتاريخِ كنيسةٍ بدأَت في لبنانَ عام 1823... وراحتْ تنمو وتمتدُّ أغصانُها وتتجذر في الأرض.

فما اقترَنَتْ إلَّا بثالوثٍ: رِفعةِ الأخلاقِ، والكلمةِ، والعلمِ... ولم تتكَوَّنْ من جماعةٍ هاجرتْ إلى لبنان واستوطَنَتْه، بل كانتْ من صُلْبِ النَّسيجِ الإنسانيِّ اللُّبنانيِّ، ومن صلب حرِّيَّةِ الرَّأيِ والمعتقد.

ومثلما هيَ الحالُ في رفضِ كلِّ ما هو جديدٌ، كانت عُرضةً للاضطهاد. لكنَّ إيمانَها بالمسيحِ وبرسالتِها وبحقِّها في التَّعبيرِ عن رأيِها، ثبَّتَها رُكنًا من أركانِ الوطن، ولو كانتِ المجموعةَ الصُّغرى بين مكوِّناتِهِ.

نعترفُ مثلًا بفضلِ المعلِّم بُطرس البستاني في ترجمةِ الكتابِ المقدَّس ونشرِ الكلمة، ولكنْ ما زلنا نُخفي ما حصلَ لأسعد الشِّدياق، لأنَّه انتمى إلى الإنجيليِّين، وَلا نعتذر. 

نقولُ جميعًا بأنَّ "الدِّينَ للهِ والوطنَ للجميع"، وننسى أن هذا الشِّعارَ، ما هو إلَّا من إبداعاتِ المعلِّمِ بطرس في العددِ الأوَّل من صحيفتِه "نفيرُ سورية"، عام 1860.

نعترفُ بفضلِ الجامعةِ الأميركيَّة في بيروتَ، وننسى أنَّها كانتِ الحافزَ إلى إنشاءِ جامعاتٍ أخرى كبرى، جعلَتْ ذاتَ يوم من لبنانَ، جامعةَ هذا المحيطِ الواسعِ بامتياز.

نعترفُ بفضلِ مستشفى الجامعةِ الأميركيَّة، وننسى أن المستشفى الأوَّل هذا ولَّد مستشفياتٍ كبرى، حتى باتَ لبنانُ، ذاتَ يومٍ، مستشفى الشَّرقِ بامتياز أيضًا.

نسألُ عن أحوالِ الطَّقْسِ، ممطرًا، غائمًا، صاحيًا، سرعةَ الرياح، حالَ الطُّرق، ونلجأ اليوم إلى مراكزَ ومراصدَ، وننسى أن أوَّلَ مِرْصدٍ في لبنانَ، كانَ من أعمالِ هذه الطَّائفة.

نتغنَّى بما تتمتَّعُ به أرضُنا من جمالٍ، وبما تكتنزُه من عجائبَ طبيعية، وننسى أن فريقَ بحثٍ إنجيليًّا، بمعاونةِ مغامرينَ لُبنانيِّين، هو من اكتشفَ مغارةَ جعيتا، وأن الرَّئيسَ اللُّبنانيَّ الإنجيليَّ المذهبِ أيُّوب تابت، هوَ منْ جرَّ مياهَ تلكَ المَغارة إلى بيروتَ وصَيدا.

وإذا شئتُ أعدِّدُ لا أنتهي، يكفي أن تستعيدوا المقابلةَ في الـ "دي في دي" المُرفقِ بالكتابِ، فتقبِضونَ على حقائقَ وأسماءٍ لامعةٍ أغنَتْ لبنانَ والمحيطَ بالأعلامِ والعطاءات.

وإِنِّي إذ أشكر للقِسِّيس طرابلسي تعميمَ مضمونِ تلكَ الحلَقة، معَ مولودِه الحِبْرِيِّ الجديدِ "الوحيُ المعصومُ والكتابيَّةُ المسيحيَّة"، الصادرِ في الذِّكرى الخمسمئةِ للإصلاحِ الإنجيليِّ، واختياري متحدِّثًا في هذا الاحتفالِ المَهيب، أباركُ له بوحيِه وكتابيَّتِه، وأختِم بأنَّ لبنانَ غنيٌّ بتنوُّعِه دينيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا... فلا نجعلنَّ هذا التَّنوُّعَ نقمةً عليه، ونروحُ نتنانَش لحافَ الوطنِ، كلٌّ من ميلِه كي يَدْفَأَ هو ويبرُدَ غيرُه. هذا اللِّحافُ يوفِّرُ الدِّفءَ للجميعِ، وهذهِ هي النِّعمة في حد ذاتِها. وبوَحدةِ هذا التَّنوُّعِ يبقى لبنانُ، و"رح نبقى هون".