كلمة المؤلّف ادكار طرابلسي في احتفال إطلاق كتاب الوحي المعصوم والمسيحيّة الكتابيّة

العدد:
السنة:

مسرح بيت الطبيب 7 تشرين الأول 2017

نجتمع اليوم لإطلاق كتابي: "الوحي المعصوم والمسيحيَّة الكتابيَّة" وDVD وذلك من ضمن فعاليّات الذكرى الخمسمئة للإصلاح الإنجيليّ الّتي يحتفل بها أَكثر من 900 مليون إنجيلي أو 40% من مسيحيّي العالم هذا الشهر. وقد يسأَل أحدنا، ما الرابط بين الموضوعين؟ الرابط قويّ جدًّا. فلولا الكتاب المقدَّس لما تمّ الإصلاح الإنجيليّ. فالإصلاح لم يكن حركة تمرّد قام بها راهب ألمانيّ أو ملك إنكليزِيّ رغب في تغيير زوجته! بل كان نتيجة إعادة اكتشاف كلمة الله.

أثر سقوط القسطنطينيّة على أوروبا

كان بعد سقوط القسطنطينيّة في العام 1453 أنّ علماءها ذهبوا إلى أوروبا فساهموا بعلمهم وبفكرهم النقديّ، في إحياءِ دراسة اللغة اليونانيّة والمخطوطات الكلاسيكيّة مما أغنى حركة النهضة ال ـRenaissance ومهّد الطريق لحركة الإصلاح الدينيّ  ال ـReformation.

قام العالم دزيداريوس إيراسموس بمراجعة النصوص المقدّسة ووضع نصًّا يونانيًّا مضبوطًا للعهد الجديد مع قواعد تفسيريَّة سليمة لفهمه وكان ذلك في العام 1516. الأمر الّذي نشّط دراسة كلمة الله وأنشأ َحركة اعتراضيّة كبيرة على فساد رجالات الكنيسة وعلى بعض المعتقدات والممارسات السائدة يومذاك. وكان بين الّذين تأثَّروا بإيراسموس الراهب الأغوسطينيّ مارتن لوثر الَّذي نجح في إحداث إصلاح وتغيير حقيقيَّين.

أثار ترجمة لوثر للكتاب المقدّس وتوزيعه

ويوم حُكِمَ على لوثر بالحَرم لاعتراضاته على بيع صكوك الغفران بالمال وموضوعات أخرى ذات صلة، أخفاه أمير ساكسونيا، فردريك الثالث، لئلَّا يُحرَق كما حصل لِويكلف (1384) وهوص (1415) وسافونارولا (1498) الذين حاولوا إصلاح الكنيسة وترجمة الكتاب المقدَّس إلى اللُّغات الحيَّة. وانصرف لوثر إلى ترجمة الكتاب المقدَّس إلى الألمانيَّة. وكان لاختراع الطباعة المتحركة لجوهان غوتنبرغ في العام 1455، الأثر الكبير في انتشار الكتاب المقدّس. فانكبّ الناس على دراسة كلمة الله واكتشاف تعاليمها، وابتدأت التغييرات تحدث في فكرهم، وهكذا وُلِدَ الإصلاح الإنجيليّ الذي ترك تأثيره الكبير في الكنائس والأمم والحضارة.

أمَّا لوثر، وغيره من المصلحين، فوافقوا الآباء على أنَّ الأسفار المقدّسة دُوِّنت بعمل مباشر من الروح القدس، "الناطق بالأنبياء"، كما جاء في قانون الإيمان النيقاوي، الذي أعطى الكُتَّاب ما قاله الله فنقلوه بدورهم إلى النّاس. فكتَبَ هؤلاء "مَسوقِينَ من الروح القدس"، كما شهد الرّسول بطرس فجاءت كلماتهم "موحى بها من الله" (أو بنُطقِ روح اللهِ) كما يؤكّد الرسول بولس. والعجيب في أمر أسفار الوحي أنّها جاءت موحّدة الهدف، تشهد لمسيح واحد ولمخلّص واحد ولربّ واحد، رغم تجاوز عدد كُتَّابها الأربعين فردًا عاشوا في فترة زمنيّة تجاوزت ألفًا وأربعمئة سنة.

تحديّات تواجه الأسفار المقدّسة

وكان رسل المسيح يكتبون ويُشجعون الكنائس المحليّة على تبادل كتاباتهم ودراستها. واقتبس بعدهم الآباء الرسوليّون الأسفار بشكل كبير حتّى يُقال أنّه لو احترقت جميع الكتب المقدسة في العالم، لتمكنَّا من إعادة تجميع النصِ المقدَّس من اقتباسات أولئك.

وابتدأت التحديات تتوالى في تاريخ الكنيسة. فيوم قام أناس ينشرون كتابات منحولة نسبوها إلى الرسل، كان الرَّد بوضع لائحة قانونِّية تُحدِّد ما كان مقبولًا ومُصَدَّقًا بختم ِالروح القدس. ولمَّا كانت الكنائس بحاجة إلى نُسَخ موثوقة من الكتاب المقدّس، أمَرَ الملك قسطنطين النُسّاخ المحترفِين بتزويد نسخة كاملة لكلّ كنيسة قائمة في أيّامه. ونشط التفسير المجازيّ في الإسكندرية، واللّغويّ والتاريخيّ في أنطاكيا، ممّا أغنى الفكر المسيحيّ.

القرون الوسطى وحركة الإصلاح

وعندما دخل العالم المسيحيّ القرُون الوسطى، حدث تحوّل كبير: فمِنْ مسيحيّة تبحث في الكتاب إلى مسيحيَّة مُهتمّة بإغناء اللّيتورجيا والفنون الكنسيّة. وهكذا اختفت الدراسات الجديّة للكتاب المقدّس حتّى قامت حركة الإصلاح الإنجيليّ في القرن السادس عشر.

ويشهد علماء الاجتمَاع – ومنهم ماكس وِيبِر – أنّ حركة الإصلاح بوضعها الإنجيل المقدَّس بين أيدي الناس لم تُسبّب النهضات الروحيّة والدراسات الكتابيّة وبناء الكنائس الوطنيَة وحسب، بَلْ ساهمت أيضًا في انطلاق التقدّم العلميّ والاختراعات والصناعات والاقتصاد والفنون والآداب وغيرها.

وتركت هذه الحركة الإصلاحيّة أثرها المباشر على الديمقراطيَّة والبرلمانات والتشريع وصولًا إلى إحقاق حرية الضمير وفصل الدّين عن الدولة وولادة الدولة المعاصرة وحقوق الإنسان والمؤسَّسات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة.

العقلانيّة في مواجهة الوحيّ

وواجهت الحركة الإنجيليّة التحديّات بدورها. وعلى رأسها كان التحدّي الّذي شكَّلَتهُ الفلسفة العقلانيّة ال Rationalism في القرن التّاسع عشر، إذ ابتدأ رفض وجود إلَه كُلّيّ القدرة يحكي الناس ويتدخّل في شؤُونهم بشكل فائق، فابتدأَ التشكيك بوحي كلمة الله وبعصمتها وذلك للمرّة الأولى في تاريخ الكنيسة.

وازداد الهجوم على كلمة الله في بداية القرن العشرين، حتّى وصل لدى البعض منهم إلى رفض بعض العقائد المسيحيّة الأساسيّة وضرب مُطلقيَّةِ الأخلاق الكتابيَّة. وانتقلت في ما بعد، موجة التنكّر للوحي ولعصمته إلى معظم مدارس اللاهوت لدى جميع الطوائف المسيحيّة. وقليلون انتبهوا، في البداية، إِلى الأَثر المدمّر لهذه المدرسة على رجال الدّين والعامّة وعلى الشهادة المسيحيّة.

وهكذا وقَعنا في المحظور فأصابنا تَصَحُّر روحيّ عارم. فلا الشعب يقرأ الكتاب المقدّس، ولا رجال الدين يجيدون تفسيره بطرائق سليمة، وفي الوقت عينه يستمرّ اللاهوتيُّون بالتهكّم على فكرة الوحيّ ورفضه. وفقد الكتاب المقدّس صُدقِيَّتَه لدى الكثيرين من النخبَة والعامَة الذين صاروا يتناقلون مقولات واهية يُظَهِّرونها كحقائق، ومنها: أنّ "الإنجيل محرَّف"، وأنَّنا لسنا "أهل الكتاب" وأنّ "المسيح لم يترُك لنا كتَابًا" بل أعطانا نفسه... وغيرها. وزِد على ذلك في بلادنا أنَّه وبسبَب ما ارتكبه الصهاينة، بات الكبير والصغير يتباهى بالتنكُّر للعهد القديم والتهجّم عليه، علمًا أنّه الكتاب الذي قرأَهُ وعلَّمَ منه المسيح والعذراء والرسل والآبَاء، واغتَنَت طقوس الكنيسة شرقًا وغربًا مِن مزاميره ونصوصه المقدسة.

ومِنَ المضحك المبكي أنّه وبعد تفريغ الأسفار المقدسة مِنْ وَحيِهَا الإلهيّ، نرانا نَبكي على فتورنا الروحيّ وهزالتنا الإيمانيّة وانهيارنا الأخلاقيّ ونجاهد لنعِيد النَّاس إلى كلمة الله فنتفاجأ أنّهم لا يُبالون. فلماذا يُنصِتُونَ إلى كتاب قديم "مشوب بالأخطاء" ولا يُخاطب عقولهم وهو غريب عن مسائلهم الحياتيّة المعاصرة؟ أليس هذا ما يفتكر به الناس؟ أليس هذا ما جعلنا نُطبَعُ بالعلمانيَّة الإنسانيَّة Secular Humanism والماديّة والإلحاد واللاأدريَّة والخرافات الشعبيّة والتعصّب الطائفيّ والأفكار المختلفة فابتعدنا فكريًّا وعمليًّا عن إنجيلنا المقدّس حتّى صِرنا بلا مسيح وبلا وحي وبلا هويّة واضحة؟

الوحي المُحيّي من الموت

أنا أؤمن بأنّ إنجيل المسيح هو "قوّة الله للخلاص لكلّ مَنْ يؤمن". وإن أردْتم أن تعرفوا قوَّة هذا الإنجيل، أقول لكم اليوم - وبعد خمسمئة سنة مِنَ الإصلاح - لا تنظروا إلى الدّول الأوروبيَّة والاسكندينافيّة والأميركيَّة الّتي نشتهي أن نعيش فيها لِما هِيَ عليه من تقدّم ورُقيّ وحقوق إنسان بسبب تأثير الإصلاح والإنجيل عليها ذات يوم. ولا تنظروا إلى نموّ حركة الإصلاح الإنجيليَّة، بل أنصتوا إلى ما قاله المسيح: "إن أحبّني أحد يحفظ كلامي" و"الكلام الذي أكلّمكُم بِه هو روح وحياة". وعندَذاك سترَوْنَ ما يمُكن كلمة الله أن تعملَهُ بكم.

في كتابي هذا "الوحي المعصوم" حذَّرت من العبثيّة اللاهوتيّة والدمار الرّوحيّ التي خلّفها التنكّر للوحي على بعض الكنائس الإنجيليّة، وتركت لأبناء الكنائس الأخرى أن يعالجوا آثَارَه عندهم. وأنا اعترف بأنّ مجتمعاتنا المشرقيّة تتوجّس من الفكر الإصلاحيّ والدراسات الكتابيّة الجدّيّة خوفًا من المسّ بتقاليدها وحفاظا على هدوئها. والحقّ يقال أنّ العودة إلى الإنجيل المقدّس هي عودة إلى "الكلام المُحْيِي" الذي يعمل فينا نهضة حقيقيّة والذي من دونه تتحوّل ديانتنا إلى تراث جامِد يجتذب البعض وتبتعد عنه الغالبيّة.

وحيٌ مُقدّس يتطلّب عهد منك

أمنيَتي لكلّ صديق هي أن تعود إليه الثقة بالكتاب المقدَّس ويلتزِمَه. هذا ما عمله عالِم الرياضيّات الأبرز، بلايز باسكال، إذ عاهد الله: "لا أنسى كلامك" (مز 119: 16). صلاتي لكلّ صديق أن يسمح لإله الوحي أن يُستعلَن له عبر كلمة الله، وهكذا يتعرّف إلى المسيح شخصيًّا ويصِير مسيحيًّا حقيقيًّا. وهنا أقتبس ما قاله القديس جيروم مترجِم الفولغاتا اللاتينيّة (382 م): "عدَم معرفة الأسفار المقدّسة هو جهلٌ للمسيح". وأختم بقول لأحد الأفاضل: "أنّك إن أردت أن ترى الله: إقرأ كتابه، فوحدها الأسفار المقدّسة يحضُر صاحبها عندما تقرأها!"