كيف يموت الأبرار؟

الكاتب:

تمنّى النّبيّ الكذّاب بلعام يومًا قائلاً: "لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ وَلتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ"، لكن للأسف لم تتحقّق أمنيته. كثيرون كبلعام يتمنَّوْن نفس الأمنية، لكن قليلون يصلون إليها. فالأبرار هم الأبطال، ومَنْ يريد أن يموت موت الأبرار عليه أن يعيش حياة الأبطال.

يقول الحكيم سليمان: "نِهَايَةُ أَمْرٍ خَيْرٌ مِنْ بَدَايَتِهِ". صحيح أنّ طابع العظمة غلب على كل حياة يوسف، لكن تبقى العظمة في نهاية السيرة أهمّ وأثمن لسببيْن. أوّلًا أنّ تأثيرها أعظم من تأثير البداية، وثانيًا أنّها ما يذكره الناس أكثر. بعد رحلة عناءٍ طويلة تغرّب خلالها يوسف إذ بيع عبدًا إلى مصر وتعذّب وتألّم، ثمّ عَظُمَ شأنه، وشاخ، ومات. بَقِيَتْ شهادة حياته محفورةً في التّاريخ لنعتبر منها، ونرى كيف يموت الأبرار الأبطال.

يموت الأبرار بإيمانٍ حيٍّ بوعد الله، إذ إنّ الإيمان لا يموت. قال يوسف "أنَا أمُوتُ وَلَكِنَّ اللهَ سَيَفْتَقِدُكُمْ وَيُصْعِدُكُمْ مِنْ هَذِهِ الأرْضِ إلَى الأرْضِ الَّتِي حَلَفَ لإبْرَاهِيمَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ". رغم أنّه كان يحتضر على فراش الموت في مصر، إلا أنّ يوسف لم ينسَ ما أقسم به الرّب لآبائه. كان له إيمانٌ حيٌّ بوعد الله وكلمته، وقد عبَّرَ بموقفه هذا عن ثقةٍ غير عاديّة بإله إبراهيم وإسحق ويعقوب. صحيح أنّه لم يشهد تحقيق الوعد، لكنّه أدرك بقلبه وبعقله أنّ إله آبائه باقٍ على كلامه، وأنّه لا بدّ سيعيدهم يومًا إلى أرضهم.

عندما تكلّم العهد الجديد عن يوسف، الّذي كانت حياته منذ الطفولة غنيّة بالبطولات، ذكر له قوله: "بِالإِيمَانِ يُوسُفُ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَوْصَى مِنْ جِهَةِ عِظَامِهِ". فقد اعتبر أن عظمة إيمان يوسف تجلّت في هذا المشهد تحديدًا، حين كان على يقين من أنّ الرب سيعيدهم إلى أرضهم، لذا أوصى أن يحملوا معهم عظامه. لم يشكّ يوسف أبدًا في وعد الرب. لم يقل على سبيل المثال: "إن حدث ووفّقكم الله واستطعتم الخروج من مصر، لا تنسوني"، بل قال: "اللهُ سَيَفْتَقِدُكُمْ فَتُصْعِدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا"، مؤكّدًا على ثقته بوعد الله. مع أنّ العودة في الوقت الّذي مات فيه يوسف كانت غير واردة. فالأرض في حالة جوع وفقر، وأهل بيته يعيشون في رخاء ونعيم في مصر، وفرعون يحبّهم، وأعطاهم أرضًا ويهتمّ بهم. من المنظور البشري لم يكن وقت الرحيل قد حان بعد. كان يوسف ثاني رجل في مصر، وليس ما يزعجه هناك، لكنّ الرّفاهية والامتيازات ورغد العيش لم تغشّ يوسف أو تدفعه للغرور، ولم تلهه عن وعود الرب.

كان أحد أبطال الإيمان ويُدعى جون نوكس (1513-1572) يحارب كي تتحوّل اسكتلندا إلى الإيمان الصّحيح المُصلَح وتبتعد عن الخرافات. حين قُدّمَت به شكوى للسّلطات الفرنسيّة، اعتقلوه وأجبروه على العمل كعبدٍ في سفينة فرنسيّة بعد أن كان راعي كنيسة. تعرّض مدّة سنتين للضّرب والجلد والعذاب والتقهقر حتّى الانهيار. فحياة العبوديّة على متن سفينة في القرن السادس عشر كانت قاسية ومُضنية، يكون فيها المرء عرضة لكافّة أنواع الأمراض والإذلال. وذات يوم، مرّت سفينته قبالة بلدته سانت أندرو، ولاحت من بعيد القلعة الّتي كان يعظ بها. ناداه صاحبه وذكّره بما كانا وبما أصبحا عليه، فأجابه جون نوكس واثقًا: "اذكر يوسف، وما حلّ به، فكما كان قصد الله في حياة يوسف عجيبًا، كذلك قصده طاهر وحكيم في وجودنا في هذا المكان المُظلم. لا بدّ أن نعود يومًا إلى تلك القلعة ونعظ عن المسيح وعن نعمته". وهذا ما حدث فعلًا بعد عشرين سنة من النفي، عاد جون نوكس ووعَظَ في تلك القلعة، فكان دوره أساسيّا الذين استخدمهم الله في تحوّل اسكتلندا للإيمان المسيحي المُصلح.

لا يموت الأبرار إلاّ بثقة ورجاء، وبإيمان حي لا يموت، وبوعدٍ من إله لا ينسى ولا يفشل أبدًا.

الموضوع:
العدد:
السنة:
الشهر: