ماذا يحدث عندما يموت الإنسان؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

يكثر عدد الذين يسألون في أيامنا عن حقيقة الحياة بعد الموت، وتكثر الفرضيات والإجابات. والبعض يقول أن الإنسان تنتهي حياته هناك عند القبر ويذهب بعدها إلى الفناء. أما عدد الذين يعترفون بوجود حياة بعد الموت فهو أكبر. ويكثر عدد المهتمين بفهم الماورائيات. فالموت هي جزءٌ طبيعي مِن دورة الحياة التي تبدأ عند الولادة ولا تنتهي عند الموت، مِن أجل ذلك الناس يطلبون سَبر أغوار الموت وفهم طبيعته.

للإجابة على الأسئلة الكثيرة المُبهمة الغامضة والمتعلّقة بالموت نرجع إلى الإختبارات الكثيرة التي مرّ بها الناس، وذلك دون أن نغفل أيضًا ما تُعلّمه كلمة الله المقدّسة. أما إن تأملنا بالموت مِن مفهوم الإختبارات الشخصية غالباً لا نجدُ الإجابات الوافية بل أفكارًا متناقضة إلى حدّ  كبير لا تشفي غليل المتعطّشين إلى المعرفة. أما إذا رجعنا إلى الكتاب المقدّس نُدرك الحقائق الإلهيّة والإجابات الوافية للتساؤلات الكثيرة المرتبطة بالموت والحياة.

وإذ أن كثيرين يموتون كل يوم أكان ذلك من جرّاء موت طبيعي أو حوادث مؤلمة أو أمراض متنوعة كان لا بدّ من معالجة موضوع الموت الذي يجول بذهننا جميعنا. يقول الكتاب المقدّس: ’وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ‘ (عب 27:9). سأعالج بعض التساؤلات حول الحياة والموت وأسلّط الضوء على المفاهيم الكتابيّة المرتبطة بهذا الموضوع الحسّاس.

 

أولاً: هل يُمكن أن يُمنح الإنسان فرصة ثانية بعد الموت؟

يأمَل الكثيرون أن يُعطوا فرصة أخرى بعد الموت. إلا أني لست أجد مرجعاً كتابياً واحداً يؤكّد وجود هكذا فرصة تسمح للإنسان أن يختبر التطهير بعد الموت أو التقمُّص ثانية كما تُعلّم بعض الفلسفات الروحيّة والزمنيّة. فالإنسان أعطيَ فرصة التوبة والرجوع إلى الله مرة في هذه الحياة، فلا يظنّ أحدٌ أنه يستطيع الرجوع إلى الله متى شاء بعد الموت. الفرصة مُتاحة الآن إذ يقول الكتاب: "فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ" (أع 30:17).

ثانياً: ماذا يُعلّم الكتاب بخصوص إختبار مقاربة الموت التي يحكي عنها الكثيرون؟

يشيع في أيامنا الكلام عن اختبار "مقاربة الموت" أو ما يُعرف "Near-Death Experiences". نسمع عن أناسٍ كثيرين ماتوا وصعدوا إلى السماء أو مرّوا بنفق ثم أعطوا فرصة ثانية للرجوع إلى الأرض. فهل هذا الأمر حقيقي أم مجرّد وهم لدى أصحاب هذه النظريات؟ للوهلة الأولى نظن أنّ هذا المفهوم يمكن تفسيره أو قبوله كتابيًا، لكن إذا تأمّلنا في أبعاده نرى أنّ أصحاب هذه النظريات يُروّجون لفكرة الخلاص بالأعمال الصالحة أو أنّ جميع الناس سيذهبون إلى السماء بعد الموت بغض النظر عن إيمانهم أو أعمالهم. لا شك أنّ هذه الفلسفة والحكمة البشرية يمكن وصفها بالبدعة المنافية للتعليم الكتابي القويم.

وبموضوعية، لا بدّ إلا وأن ألفُت انتباه القارئ إلى أن أحداثًا مماثلة سجّلها الوحي المقدّس لعدد قليل من الناس خصّهم الله برؤيا سماوية معيّنة غيّرت مجرى حياتهم. أذكر في هذا السياق رؤيا استفانوس قُبَيل استشهاده الذي قال: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أع 56:7). ثم نرى الرسول بولس الذي رُجِم في لسترة واختطف إلى السماء الثالثة يُعبِّر عن هذا الإختبار بالقول: "إِنَّهُ لاَ يُوافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ. فَإِنِّي آتِي إِلَى مَنَاظِرِ الرَّبِّ وَإِعْلاَنَاتِهِ" (2 كو 1:12). بالرغم مِن هذه الإعلانات النادرة في هذا المجال، ينبغي أن نمارس الحذر لجهة القبول بنبوءات ورؤى حصلت مع أناسٍ آخرين دون التدقيق في مصادرها أو أهدافها. فلا عجب أبداً أن يُحرّف إبليس الرؤيا الكتابيّة والإعلانات الروحيّة كي يُضِّل الكثيرين عن الحق الإلهي. لذلك تبقى كلمة الله المرجع الصحيح لتبيان حقيقة الرؤى والإعلانات المزعومة.

ثالثاً: هل يمكننا التواصل مع الموتى؟

بالطبع لا، فالكتاب ينهينا عن هذا الأمر بشكل قاطع ونهائي ويمنعنا عن استخدام أي وسيلة لهذا الغرض، وينبغي علينا إطاعة الله وعدم الإنجراف في الممارسات الشعوذية المُدانة (لا 28-26:19؛ لا 31:19؛ تث 14-9:18؛ غلا 20:5).

رابعاً: ماذا نقول لأناسٍ فقدوا أحباء على قلوبهم؟

ربما لا نستطيع أن نقول الكثير أو حتى أيُّ شيء على الإطلاق، لكن بإمكاننا أن نُظهِر لهم محبة الله واهتمامه بأولاده، وندَعهُم يشعرون بحُضورنا، ونُظهِر لهم الصبر والحنان، و نذكُرهم أيضاً في صلواتنا.

خامساً: ماذا يحدث عند الموت؟

ربما أشرت إلى الإجابة على هذا التساؤل عندما ذكرت أن ما يحدِّد مصير الإنسان بعد الموت هو حياته قبل الموت. يذهب الإنسان المخلّص بالنعمة الإلهيّة ليكون في حضرة المسيح مباشرة بعد الموت، إذ لا وجود لحالة وسطية بعد الموت (لو 43:23). هذا ما أكّده الرسول بولس أيضاً في سياق حديثه عن الموت مؤكّدًا مثوله أمام الحضرة الإلهية مباشرة بعد الموت (في 23:1). لذلك نرى أنّ استخدام كلمة "النوم" للإشارة إلى الموت في الكتاب المقدّس إنما يُشير إلى موت الجسد أما الروح فهي في حالة الوعي في حضرة المسيح، وسيأتي يوم فيه تقوم الأجساد لتتحِّد مع أرواحها عند القيامة في اليوم الأخير (1 تس 14:4). هذا الوعد يرتبط بتغيُّر أجساد المؤمنين ليشبه صورة جسد المسيح الممجّد والعديم الفساد (1 كو 55-51:15). تعزيتنا أننا سنعبر وادي ظل الموت إلى رحاب حياة أفضل: ’أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟‘ (1 كو 55:15).

يواجه المسيحي الحقيقي الموت واثقًا  لا خائفًا، فالإنسان يموت على رجاء القيامة مِن بين الأموات. هذا يذكّرني بما قاله الواعظ الإنجيليّ دوايت مودي قُبيل موته: "أرى الأرض تبتعد رويدًا رويدًا ، والسماء تقترب مني فاتحة باب الهناء". أما غير المؤمنين فالموت بالنسبة إليهم لمخيفٌ حقًا : "يَنْقَطِعُ عَنْ خَيْمَتِهِ، عَنِ اعْتِمَادِهِ، وَيُسَاقُ إِلَى مَلِكِ الأَهْوَالِ" (أي 14:18). وسفر العبرانيين يؤكّد هذه الحقيقة: "وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" (عب 15:2). وسيبقى الموت يُخيف الناس طالما هو: ’آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ‘ (1 كو 26:15). لذلك نرى أنّ موت الإنسان الخاطئ إنما يقوده إلى عذاب أبدي في حالة مِن الوعي الكامل (مر 48-43:9؛ لو 31-19:16)، وعند القيامة سيمثلون أمام العرش الأبيض العظيم للدينونة (رؤ 15-11:20).

كيف نواجه الموت أليس بثقة الإيمان. فالموت ليس له سلطان على أولاد الله إذ هم يبيتون تحت جناحي الحيّ القدير. فالرب يسوع المسيح له كل المجد يحمل في يديه مفاتيح الهاوية والموت (رؤ 18:1). فمَن له سلطان أن يعطي الحياة له سلطان أن يُعطيها لمن يشاء: ’أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا‘ (يو 25:11). الموت ليس نهاية الحياة، بل بداية حياة جديدة. ما وراء القبر يرتقي نحو السماء ويتمتدُّ إلى حياةٍ أبدية في حضرة المسيح الذي له سلطان الحياة والموت. هل أنت مستعدٌّ للموت؟