متديّن لكن دون إصلاح ولا تغيير

حوار يجري بين اثنين في مقهى. سؤال: "هل تحب الرب؟" الجواب: "أكيد. ما هذا السؤال السخيف؟ بالطبع أحب الرب. فأنا إنسان مؤمن، متديّن لا بل متعصّب لمسيحي ولمسيحيّتي."

يعكس هذا الحوار حال الكثيرين في بلادنا. فنحن نتباهى أننا شعب مؤمن ولسنا كباقي الشعوب في دول الغرب العلمانية الملحدة. هذا لسان حالنا وشعارنا الذي نتباهى ونفخر به.

نحن متدينون ولكننا لا نعرف كيف نفسّر هذا الكم الهائل من الفساد في مجتمعاتنا. طبعاً ليس الجميع فاسدين، إذ ما زال يوجد في بلادنا أناس مخلصين ومستقيمين. لكن الواضع يقول أننا بلاد فاسدة. فمن نتهم بالتسبب في هذه الحالة؟ أنتّهم القادة الروحيين والسياسيين؟ وهذا ما نفعله دائما! ولكن ماذا عن الشعب؟ أليس قادتنا هم منا؟ لقد صنّفوا لبنان في أعلى مراتب الفساد عالميا. وهم محقّون في ذلك للأسف. ولا بد لكل مخلص أن يعترف ويقرّ أن الفساد عندنا مستشر بقوة في كل الدوائر وعلى كل الصّعد. كلٌّ بحسب طاقته وحسب ما يتيسّر.

علامات الفساد في مجتمع متديّن

ماذا نقول عن الموظف الذي لا يأتي على الدوام ولا يعمل بضمير ويستربح صاحب العمل! وماذا عن أرباب العمل الذين يستغلّون الموظّف ويأكلون أتعابه؟ وماذا عن المعاملات التي لا تُنجز دون رشوة؟ وماذا عن المهنيّ الذين يغشّك بالقطع والتركيب ويكذب عليك؟ وماذا عن الطبقيّة الموجودة عندنا بقوّة وماذا عن حب المظاهر والفخفخة والكبرياء؟ وماذا عن الطّبع الشّرس الذي يظهر جليّا عند أي خلاف او اختلاف بوجهات النظر؟ ماذا نقول عن العنف الذي نشهده عند كل مشكل؟ وماذا عن الشتائم التي تطال الله وكل المقدسات؟ وماذا نقول عن الزنا والفسق الموجود وماذا عن التعري دون خجل ولا ورع؟ ماذا نقول عن محبة المال والتشاطر على بعضنا البعض؟ وماذا عن النميمة والتشهير والطعن بالظهر والتملق والتمثيل والوصولية والأنانية والكذب بكل أنواعه؟

هذه كلها نتواجه معها يومياً ولكننا في الوقت عينه متمسكين بكوننا شعب متديّن ومؤمن بالله! أي إيمان هو هذا وأي انفصام وأين تكمن المشكلة؟

التبريرات العجيبة

كثيرون يقولون: "أنا أحب الله، لكني لا أستطيع ان أطيع وصاياه، فهي صعبة لا بل مستحيلة وهي للقديسين دون سواهم". ونعزّي أنفسنا أن إلهنا لا يهتم بكل هذه التفاصيل. ونقول أن الله محبّ ورحوم وسوف يتغاضى عن الخطايا "الصّغيرة". وهناك رأي شائع بيننا يقول أن وصايا الله قديمة العهد ورجعية وليست للإنسان المتمدن المتحرر والمعاصر. وإن صادفنا انسان لديه بعض القيم فنتّهمه بالرّجعيّة والتعقيد لا بل نتهمه بالبساطة والهبل.

وهناك من يقول: "الدين رائع، لكن أنا أحب الرب لكن على طريقتي. أنا والرب أحرار "منسطفل"، فأنا "مزبّط" أموري معه وأهندس علاقتي به على ذوقي". ويبدأ صاحب هذا الرأي بإيجاد الفتاوى المناسبة التي تناسب مصالحه الشخصية. أما معظم هؤلاء فلا وقت لديهم لقراءة الكتاب المقدس والتأمل بها. لا يجدون لزوماً لذلك. وإن حثّهم أحد على ذلك، لقالوا: "أنظروا المتديّنين وحياتهم. لقد شبعنا تديناً كاذباً. الدّين معاملة. وأنا ألتزم بذلك دون أيّة التزامات دينية لا تفيد ولا تؤخّر". وهناك من يتعصّب للدين وللطائفة ويتجنّب ويرفض من هو من دين آخر ويقاتله كدليل على محبته لله. وفي الدائرة المسيحية هناك من يمارس الطقوس الكنسيّة والفرائض ويذهب للكنيسة بانتظام لكن دون أن يكون قلبه مع الرب أو أن يكون إلهه المقام الأول في حياته.

والبعض متمسك بدين الأكثرية ويُبرّر سلوكه بالسؤال: ما الضرر أن أفعل بما بقوم به جميع الناس؟ وهل يُعقل ان يكون كل هؤلاء الناس على خطأ؟ وهل يعقل أن يعاقب ربنا هذا العدد الكبير من الناس؟ فالكذب والرشوة ليست خطايا بل هي حتمية للتجارة والعمل. فالله ليس بصغير العقل ليحاسب. والطبع العنيف ضروري "حتى ما حدا ياكلّك راسك". والزنا وحياة التفلّت أمور طبيعية للشباب والتعقيد مش حلو وبالإمكان تأجيل موضوع التوبة ليوم الشيخوخة! شبابنا لا يعرفون أن حياتهم ممكن أن تطلب منهم بأية لحظة! والشتائم وكلام البذاءة والسفاهة هي من أدبياتنا الشعبية ونظن أنه لا حساب عليها طالما القلوب نظيفة وبيضاء! وهكذا... يقدّم الناس تبريرات وتبريرات لسلوكياتهم المتوافقة مع دينهم المفصّل على قياسهم. يا لهذا الدين السهل!

ثلاثة حقائق تساعدنا لإصلاح ما فسد

بعد استعراضنا الأفكار الشعبية الرائجة، يفيدنا، إن رغبنا بإصلاح نفوسنا، أن نتذكّر الأمور التالية: (1) انتماؤنا الطائفي وتعصّبنا الديني لا يفيدنا فالخلاص هو بالتوبة الحقيقية وبالرجوع إلى الرب. يدعونا بطرس الرسول دعوة صريحة للتوبة: "فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم، لكي تأتي أواقت الفرج من وجه الرب" (أع 3: 19). (2) الله لن يتسامح مع الذين يعيشون ازدواجية الحياة، يعترفون به بألسنتهم، وينكرونه بأعمالهم. هنا نذكر قول المسيح: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط. إذهبوا عني يا فاعلي الاثم". (متى 7: 22). (3) أمام كل واحد منا اليوم فرصة لبداية جديدة تبدأ بالتواضع والإعتراف بفساده وبحاجته للغفران ولبداية جديدة مع الله. يعدنا الكتاب المقدس: "إذا تواضع شعبي الذين دُعيَ اسمي عليهم وصلّوا وطلبوا وجهي، ورجعوا عن طرقهم الردية فإنني أسمع من السماء وأغفر خطيتهم وأبرئ أرضهم." (2 أخبار 7: 14).

العدد:
السنة: