مختصر لاهوت الإصلاح

الكاتب:
العدد:
السنة:

   

كان الإصلاح مجهودًا مخلِصًا وحقيقيًّا للعودة إلى الكتاب المقدّس كالسّلطة العُليا في شؤون الإيمان وأمور الحياة، كما كان في أيّام الرّسل. ثمّة تغييران أساسيّان في عصر الاصلاح. واحدٌ في الإدارة الكنسيّة. والآخر في التّعاليم المسيحيّة الّتي انحرفت بعيدًا عن لبّ العهد الجديد وعقيدة الكنيسة الأولى. يتميّز لاهوت الإصلاح بعبارات خمسة لخّصته وشكّلت الأعمدة الأساسيّة لكافّة نقاطه وأجابت في الوقت عينه على سؤال مارتن لوثر الّذي أقضّ مضجعه طويلاً، "ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟"

 

الكتاب المقدس وحده (Sola Scriptura)

أعلن المصلحون الكتاب المقدس القاعدة الوحيدة للإيمان والممارسة، والمقياس الصّحيح لسلطة أيّة عقيدة في المسيحيّة. آمنوا أنّه موحى به من الله، وموثوق به، وله الأسبقيّة على إعلانات وتصاريح رؤساء الكنيسة وتقاليدها ومجامعها. أكّدوا أنّ الإنسان الفرد، بإرشاد وإنارة الرّوح القدس، يمكنه قراءة الكتاب المقدّس للتعرّف على الله، والمسيح، والخلاص، وإدراة الكنيسة، والسّلوك؛ هو "نافع للتّعليم والتّوبيخ، للتّقويم والتّأديب الّذي في البِرّ". شجّعوا المسيحيّين على درسه بأسلوب علمي لتشكيل لاهوت كتابي مبنيّ على أساس سلطة كلمة الله وحدها. شدّدوا على أنّ الكتاب المقدس، الذي كُتب باللّغة اللّاتينيّة ويقرأه الإكليروس فقط، يجب ترجمته إلى الّلغات المحكيّة، وجعله مفتوحًا أمام جميع الناس ومُتاحًا لهم.

المسيح منفردًا (Solo Christos)

ليس الخلاص في الكنيسة وممارساتها، إنّما في شخص يسوع المسيح. هو أمّنه، وهو يقدّمه، وهو يحفظه بنعمته لكلّ من يثق به. هو المخلِّص الوحيد وليس ربٌّ سواه. "ليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم آخر تحت السّماء قد أُعطي بين النّاس به ينبغي أن نخلص". فالمسيح رفع خطايا العالم بذبيحة نفسه على الصّليب، "لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة". هو ربٌّ كامل، قام من بين الأموات وجلس في يمين العظمة في الأعالي يشفع بالمؤمنين. هو ابتدأ عملا صالحًا، وهو يكمّل إلى التّمام الّذين يتقدّمون به الى الله. لا يوجد شفيع سواه، ولا وسيط غيره، ولا نائب بشري ينوب عنه، ولا مشرف مسكوني مفوَّض يسود أنفسَ الناس. هو يرافق أولاده "كلّ الأيام، إلى انقضاء الدهر". وستجثو كلّ ركبة لإسم يسوع، وسيعترف كلّ لسان، في السّماء وعلى الأرض، أنّه ربٌّ لمجد الله الآب.

النعمة فقط (Sola Gratia)

اعتقد المصلحون أن مسبّب الخلاص هو نعمة الله، ليس إلاّ! "لأنّه قد ظهرت نعمة الله المخلِّصَة لجميع النّاس". الخلاص الكامل هو بنعمة الله الكاملة غير المشروطة. لايخلص الإنسان بالأعمال أو بأي استحقاق غير نعمة الله في المسيح. "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته". طريقة الله لحلّ مشكلة قلب الإنسان الخاطىئ هي إعطاؤه قلبًا جديدًا. "إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكلّ قد صار جديدًا". لا شيء يحلّ مكان الولادة الرّوحية، لا التّصميم ولا النّدم ولا النيّة الطيّبة ولا المعموديّة ولا العضويّة في كنيسة ولا طاعة القوانين الكنسيّة ولا شيء آخر، قال يسوع، "ينبغي أن تولدوا من فوق".

هذه الولادة الثانية هي هبة مجانيّة من الله بها ينال الإنسان "حياة أبديّة بالمسيح يسوع ربّنا". بها يختبر المخلَّص أبوّة الله ويتمتّع برعايته ومرافقة الروح القدس المعزّي. "وأكون لكم أبًا وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الربّ القادر على كلّ شيء". النّعمة وحدها تحفظ المسيحي المؤمن في شركة دائمة مع الله وتمتّعه بغفران الخطايا يوميًّا، "إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كلّ إثم". لا حاجة إذًا ليخترع اللّاهوتيون مكانًا اسمه "المطهر" لتطهير خطايا غير مغفورة.

الإيمان وحده (Sola Fide)

الإيمان وحده يتلاءم ويتناغم مع نعمة الله في الدّعوة للخلاص. ينال الإنسان الخلاص فقط بالإيمان. لا تنقذه الأعمال الصّالحة، فهي كخرق بالية لا تفيد. الإيمان الشّخصي هو أيضًا هبة من الله. "بالنعمة أنتم مخلَّصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطيّة الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد".

الله من جهته أنعم، يبقى على الإنسان من جهته أن يَقبل فيتوب ويؤمن. لا يمكن الفصل بين التّوبة والإيمان. تعني التّوبة التّجاوب مع تبكيت الرّوح القدس بالحزن على الخطيّة والتّصميم على الرّجوع إلى بيت الآب، كما فعل الإبن الضّال. التّوبة شرط عام للحصول على غفران الله، فيأتي الإيمان، أي الثّقة بالله والإتّكال عليه، لقبول نعمة الخلاص. أجاب بولس على سؤال سجّان فيلبي، ماذا افعل لكي أخلص؟، "آمن بالرّب يسوع المسيح فتخلص".

مجد الله فقط (Soli Deo Gloria)

بالنّسبة للمصلحين مجد الله هو المبدأ الأساسي لكلّ عقيدة والهدف النّهائي لكلّ شيء. تمسكّوا بصلابة بعقائد سيادة الله والإختيار السابق والدعوة الإلهيّة الفاعلة في الخلاص. تطلّعوا بعين ثاقبة كيف تقود في نهاية المطاف إلى مجد الله وليس مجد الإنسان ولا حتى الكنيسة.

مجد الله في عدم تغيّره وثبات جوهره وصفاته ومقاصده ووعوده وإنذاراته وتمايزه عن مخلوقاته. سيأتي يوم حين تنحني الخليقة كلّها أمامه قائلة، "مستحقّ أنت أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة لأنّك خلقت كلّ الأشياء وهي بإرادتك كائنة وخلقت". وستشترك الكنيسة المفديّة مع الخليقة والكون والملائكة، فتعطي الجالس على العرش والخروف "البركة والكرامة والمجد والسّلطان إلى أبد الآبدين". يغار الله على مجده ولا يعطيه لآخر. يحاول البشر أن يسلبوه مجده فيعبدون المخلوق دون الخالق، ويثقون بالأشياء الأرضية، وبصلاحهم. ستسقط كلّ هذه الأبراج العالية أمام يسوع. وستصير كل ممالك العالم لربّنا ومسيحه وسيملك إلى أبد الآبدين.