مطلوبٌ روّادًا

الكاتب:
العدد:
السنة:

الرّائد، بحسب المعجم، "يتقدّم أترابه منيرًا لهم الطّريق". "مَن رادَ قومه سبقهم وقادهم مهيِّئًا وممهِّداً سُبل المستقبل". يُطلَق لقب "رائد الفضاء" على من جاب الفضاء الخارجي في الرّحلات الأولى. هناك روّاد طلائع في العالم لا يهنأ بالُهم حتّى يُشبعوا رغبة ما تستولي على ذهنهم. وحين يتمّموا سعيهم تغمرهم نشوة الفرح والإنجاز.

روّاد من التاريخ

أصبح "كريستفر كولومبوس" من أشهر الأعلام في تاريخ البشريّة حين وطأت أقدامه الأرض الجديدة. أبدع "لويس برايل" في تطوير نظام الأحرف النّافرة المعروفة بإسمه (Braille) بعد إصابته بالعمى، مانحًا البصر للكثيرين. كان المعلِّم "بطرس البستاني" أوّل من أنشأ دائرة المعارف، وأوّل من وضع مُعجَمًا عربيًّا بالتّسلسل الأبجدي، وأوّل من نادى بتحرير المرأة وتعليمها في المشرق العربي. فكان سابقًا لعصره. الشّيخ "ناصيف اليازجي"، قائد النّهضة الأدبيّة الحديثة، هو رائدٌ في نظم التراتيل الرّوحيّة للكنائس المشرقيّة.

لم يُعطَ لقب "رسول إيرلندا" إلاّ للمبشّر الغيور "باتريك" في القرن الرّابع الميلاديّ. كان رائدًا في العمل الكرازي وتأسيس الكنائس لمدّة ستّين عامًا على الرّغم من كلّ الأخطار الّتي تعرّض لها في حياته. أمّا أبو الإرساليّات في العصر الحديث فهو "وليم كاري". قصّة حياته وجهوده التبشريّة العظيمة في الهند لا تزال حتّى اليوم مصدر إلهام، وتحدّ محفِّز للخدمة الإرساليّة. وكان رائدًا أيضًا في مجال ترجمة الكتاب المقدّس إلى لغات عديدة.

"روبرت رايكس" هو أوّل من أقام مركز تدريب لأولاد الشّوارع لتعليمهم الكتاب المقدّس والأخلاق ومنع الرّذيلة. فتأسّست المدارس الأحديّة الرّكن الأساس للكنيسة الإنجيليّة المحليّة حول العالم. أسّس "هنري دونان" الصّليب الأحمر، و"ليليان تراشر" أكبر ملجأ للأيتام في العالم، و"دانيال بلس" الجامعة الأميريكّية في بيروت. "ماكسيم شعيا" الرّائد اللّبناني تسلّق قمّة الهملايا.

الرّائد بولس الرّسول

رغب بولس بشوق بالغ أن يبشّر بالانجيل في روما، مركز الإمبراطوريّة الرّومانيّة العظيمة. فتصل رسالة الخلاص إلى ملايين النّاس، من مختلف الطّبقات والفئات والشّعوب والأجناس. لكنّه وصل اليها سجينًا لا مبشِّرًا. لم يئنّ وينهار، ولم يحسب نفسه أسير نيرون، أو ضحيّة مؤامرة يهوديّة. اعتبر أن "أموره قد آلت أكثر إلى تقدّم الانجيل". تبدأ "أموره" بتوقيفه غير القانوني في هيكل أورشليم، وحفظه سجينًا مدّة سنتين في قيصرية. ممّا حدا به رفع دعواه إلى قيصر. فأرسلوه مخفورًا إلى رومية. في الطريق انكسرت بهم السفينة، بسبب عاصفة هوجاء كادت تودي بحياته. وبعد إقامة جبريّة لثلاثة أشهر في جزيرة مالطة، وصل إلى روما منتظرًا المحاكمة أمام القيصر. ساعدت ظروفه الصّعبة على إيجاد فرص جديدة للخدمة. واستخدم أدوات غريبة في تقديم الإنجيل في الإمبراطوريّة الرومانيّة. شقّ طريقًا أمام كلّ مؤمني العالم ليتطلّعوا إلى ظروفهم كفرص يمنحها الله ليثمروا في ملكوته ويفرحوا بما سيفعله الله بواسطتهم، بدلا من أن يتذمّروا عمّا يفعله الله بهم. فيتحوّل ما يظنّوه ضدّهم ومعاكسًا لهم مصدر بركة وخير وفائدة.

أدوات بولس التبشيريّة في روما

لم يدرك الرومان أنّ الوثق الملصقة بمعصميه ستطلقه ولن تكبّله. فصارت أداة تواصل مع الخطاة. بولس إنسان مختلف ومثير. بسبب وثقه انتشر الإنجيل في دار الولاية وسط الحرس الإمبراطوري، وفي قصر الإمبراطور العظيم، وفي كلّ مكان. وكانت وثقه أيضًا أداة تشجيع لمؤمنين آخرين فامتلأوا جرأة أكثر ليشهدوا للمسيح بلا خوف. من يعتبر نفسه ضحيّة ظروف معاكسة من مرض أو خسارة أو إفلاس أو اضطهاد وغيرها، سيُحبَط وتُطمس شهادته للمسيح. أمّا من يعيش للمسيح فسيواجه ايّ قيد بانتصار المسيح.  

المنتقدون كانوا أداة ثانية استخدمها بولس. حسده البعض وقاوموه وتحزّبوا ضدّه ليضايقوه. لكنّه اعتبر نفسه "موضوعًا لحماية الإنجيل"؛ فسواء كان بعلّة أم بحقّ، المهم أنّ الانجيل يُنادي به وينتشر. كان بولس ناضجًا وأمينًا. لم يطمع في الحصول على مركز أو اعتبار. يتكرّر دائمًا مشهد المنتقدين لخدّام الرب، ولكلّ من ينال بركة من الله في حياته. من يمتلك الذّهن الرّوحي المتمحور حول المسيح، وليس حول الذّات، يحوّل الإنتقاد السلبيّ إلى فرصة لتقدم الانجيل.

المطلوب مؤمنون روّادًا يحوّلون ما يواجهونه لنموّ البشارة، وليكونوا بركة أينما حلّوا. استخدم بولس القيود والإنتقاد أدواتٍ لمجد الله وخلاص الخطاة. ثمّة أداة ثالثة حوّلها الرّسول الرّائد لجذب النّاس إلى يسوع. يتوقّع السّجين إطلاق سراحه، أو تخفيف عقوبته، أمّا بولس فرغب أن يتعظّم المسيح في جسده. الأزمة قادمة، سيظهر الحكم سريعًا، إنّه في خطر مواجهة الموت. لكنّه بدل أن يحرس جسده لينجو من الموت، فهو يحرسه ليمجّد المسيح. الجسد ضعيف يميل إلى الشّك والتّساؤل والكسل واللّامبالاة وعدم الانضباط وضعف العزيمة واليأس وإنكار الله والغرور وتجاهل الخدمة. بولس يراقب جسده ليحميه من كلّ هذه الشّرور، ويحرسه لكي يتعظّم المسيح بواسطته.

يتعظّم المسيح

المكان الوحيد الّذي فيه يرى النّاس يسوع هو جسد المؤمن. أغلبيّة البشر يعتبرون المسيح شخصًا عاش في الأزمنة الغابرة. لكن حين يراقبون حياة المؤمن به، خاصة عندما يجتاز في أزمة ما، سوف يرون المسيح من خلاله. النّجوم أكبر بكثير من التّلسكوب لكنّه يعظّمها، إذ يقرّبها. جسد المسيحي هو التّلسكوب الّذي يقرّب المسيح إلى النّاس. يدرك المؤمن الرّوحي أنّ المسيح فيه ومعه وله، ومن خلاله يُرى ويتمجّد. مهمّة التّلسكوب تقريب المسافات وتكبير الأشياء الّتي تبدو صغيرة. الإنسان العادي الخاطئ لا يرى المسيح قريبًا منه. جسد المؤمن هو بمثابة العدسة الّتي تجعل المسيح البعيد قريبّا والمسيح الصّغير كبيرّا. لم يكن بولس خائفًا من الحياة أو الموت، ففي كلا الحالتين هو يريد أن يتعظّم المسيح في جسده.  

الخلاصة

صار بولس رائدّا بسبب شعار حياته  الّذي وجّه ذهنه وجعله صافيًا وروحيًّا. "لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح" (في 1: 21). كان المسيح حياته وهدفه والتزامه والقيمة الأعظم بالنّسبة له. فاستحقّ أن يعيش له ويكافح في سبيل نموّ ملكوته وانتشاره. إذا كانت الحياة هي المال فالموت هو الخسارة. وإذا كانت التّرفيه فالموت هو الحرمان. وإذا كانت الشّهرة فالموت هو النّسيان. وإذا كانت القوّة فالموت هو الضّعف. وإذا كانت العمل فالموت هو التّقاعد. المسيح يجعل الحياة انتصارًا والموت ربحًا. يريد الرب لأولاده المؤمنين أن يكونوا روّادًا. يسمح أحيانا بظروف قاسية لكي ينطلقوا، ولكي يباشروا في خدمة من نوع جديد في مكان جديد.