معضلة الخضوع الزوجي

الكاتب:

"الخضوع" مصطلح لُغوي غير شعبوي. عبثًا تبحث عنه في صفحات الحياة المعاصرة، لكنّك تجده حتمًا في قواميس اللّغة. مجرّد النّطق به يجعل الوجوه تتجهّم، ونظرات العداء تلتهم المتحدِّث، فيعلو الإستهجان والإستنكار، وتتظاهر الحشود في معارضة تُطالب حقوقًا افترسها "الخضوع". معاجم اللغة أيضًا تعرّفه سلبًا على أنه "خنوع"، و"رضوخ"، و"إذعان"، و"إنقياد".

الكتاب المقدّس بالمقابل يتحدّث عنه كمطلب أساسي لينعم المرء بالسّلام والبركة والتّأثير الصّالح. هناك خضوع الزوجة لزوجها، والأولاد لوالديهم، والخادم لمستخدمه، والمواطن للأنظمة والقوانين، والكنيسة للمسيح. فما هو الخضوع بحسب تعليم كلمة الله؟ ولماذا يتعارض مع المفاهيم العامة المعاصرة؟

الخضوع قضيّة مسلكيّة في المقام الأوّل. ثمّة سلوك وسلوك مضاد. يحيا الإنسان في المحبّة أو في البغض، في الغفران أو في الثّأر، في العطاء أو في الأنانيّة، وفي الخضوع أو في التمرّد، ليس إلاّ! السّلوك مظهر إيمانيّ خارجيّ يُعبّر عن معتقد الإنسان القلبي، "أرني إيمانك بدون أعمالك وأنا أُريك بأعمالي إيماني" (يع 2: 18). أمّا الإيمان فهو تشبّع القلب بكلام الرب المقدّس، فتسكن فيه شريعة الله بذورًا تتفتّح براعم "العيش فقط كما يحقّ لإنجيل المسيح". من هذه البراعم يزهّر السّلوك في نور الرب، وبالتّدقيق، وفي خضوع (أف 5: 1-18).

الخضوع في الكتاب المقدّس

ثمّة مفاهيم أربعة تترافق معًا لتعريف "السّلوك في خضوع" بحسب كلمة الرب. هذه المفاهيم هي: قبول مشيئة الله بفرح وشكر، طاعة الكلمة المقدّسة بوداعة وخوف، نكران للنّفس بإرادة صلبة، وتكريس للرّب بعزم وتصميم. رِضى المرء عن كينونته زوجًا او تلميذًا او موظّفًا او مواطنًا، يحتّم عليه الخضوع للقوانين المحدّدة في الكتاب المقدّس. يُنجز دوره باحترام والتزام وطاعة كجزء من اتّباعه للمسيح وحمله الصّليب. المفاهيم الأربعة للخضوع هي إذًا قضيّة حياة أو موت تُشغل فكر الإنسان وتوجّه حياته، يحلم بها ليلاً ويعيش لأجلها نهارًا.

سأل شابٌّ متحمِّس يسوع، "أيّها المعلِّم الصّالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟" كان يعرف الوصايا ولا يرغب في طاعتها. طلب منه المسيح أن ينكر نفسه ويحمل صليبه ويتخلّى عن أمواله ويتكرّس لقضية الإنجيل. لكنّه رفض الخضوع لمشيئة الرّب وخطّته لحياته؛ فمضى حزينًا. ليست المسيحيّة دينًا يولد فيه الإنسان ويعتنقه، أو نظامًا تعبّديًّا تقويًّا يتّبعه، أو حماسًا وتعصّبًا طائفيًّا يُعمي عينيه. إنّها خضوعٌ لشخص المسيح وطاعةٌ لكلمته، ليس إلاّ! الرّب الإله يقول والمؤمن ينفِّذ. حدودها قول الكتاب "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس"، وأهدافها مجد المسيح وامتداد ملكه بين  النّاس. 

 

السّلوك في خضوع في البيت

معضلة الخضوع الكبرى هي البيت. هل ممكنٌ هذا السّلوك بدون إحراج لكرامة المرأة وانتقاص لحقوق الرّجل؟ يكون الزّواج مباركًا والبيت هانئًا حين تسكن فيه كلمة المسيح بغنى. المرأة الّتي تلهج بكلمة الرب نهارًا وليلاً تمتلك سيرة طاهرة. تشيع من حولها جوًّا من مخافة الرّب وهيبته. تهتمّ بذاتها الدّاخليّة لتتحلّى بالسّلام والوداعة. تلبس تواضع المسيح ورأفته. يمتلئ بيتها بالرّاحة وينعم بهناء فائق الوصف. لا ينبع الجمال الحقيقيّ من الزّينة الخارجيّة، بل من جوهر الحياة داخل القلب. سارة، زوجة ابراهيم الخليل، هي مثال رائع. كانت امرأة فائقة الجمال، حاول أكثر من ملك أخذها من ابراهيم. ومع ذلك خضعت لرجلها في الرّب. يخبرنا سفر التكوين أنها كانت تنادي ابراهيم "سيّدي". لم تكن عبدة له، ولا جارية عنده، لكنّها عبّرت له عن خضوعها المؤسّس على المحبّة. المرأة المؤمنة المكرّسة لا تخاف العيش وفق هذا السّلوك الكتابي. وتدرك يقينًا أنّ الرّب مسيطر على زمام الأمور. حياتها تشير إلى المسيح، وسلوكها الخاضع لكلمة الرب ولزوجها هو عظة صامتة؛ هنا قوّتها وتأثيرها. 

 الرّجل الّذي يلهج بكلمة الرب نهارًا وليلاً يكون فطنًا متعقِّلاً. يكرم زوجته ويحبّها كما أحبّ المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها. ينمو في معرفة القدّوس وفي فهم هذا الإناء الأضعف المسلَّم بين يديه. كلمة "الأضعف" لا تستلزم أنّ المرأة بدون قوّة او منطق، وليس لها حجّة أو دفاع، ولا تعني أنّ الرّجل هو الأقوى أو السيّد. بل تشير أنّ المرأة هي أكثر حساسيّة ومشاعريّة، وهي الأكثر تغيّرا في حالاتها النفسيّة، وعلى الرّجل أن يكون صاحيًا واعيًا حكيمًا ليتمكّن من تقديم الإعتبار والحماية لها. الخضوع من جانب الزّوجة يقابله رفق ولطف ومحبّة من جانب الرّجل. سأل أحدهم امرأة جميلة زوجها قبيح عن سبب إخلاصها له، فردّت، "لا يُسيء إليّ قط!" الخضوع المقترن بالمحبّة المتفانية رابط لا ينكسر ابدًا. يعرف الرّجل الخاضع لكلمة الرب أنّ زوجته المؤمنة هي شريكه، وسوف ترث معه نعمة الحياة. هما واحد في المسيح، ويسيران معًا نحو معجزة الجسد الواحد في الزّواج المقدّس. 

 

ملاحظات مُلزِمَة

يجب على الفتاة المؤمنة ألاّ تتزوّج برجل لا يستحقّ محبّتها واحترامها وخضوعها. ويجب على الشّاب المؤمن ألاّ يقترن بشابّة لا تستحقّ لطفه وحنوّه وتضحياته. ويجب على كلّ من الشّاب والشّابة المؤمنَين أن يتزوّجا في الرّب، نفس الإيمان والنّعمة والميراث الرّوحي. ويجب على كلّ منهما أن يتشبّع بكلمة الرّب وأن يخضع لها. يشرح الرّسول بطرس السّبب بالقول، "لئلاّ تُعاق صلواتكم." عدم اتّفاق الزّوج والزّوجة يعيق صلواتهما بخصوص الأولاد، وبخصوص المعيشة، وبخصوص الهناء، وبخصوص البركة.  من الأمور التي لا أدركها وهي حقيقة واقعة، أنّ عدم الإنسجام البشري يقلب التّعاون الرّوحي. 

تواجه العائلة في كلّ العالم خطر التفكّك. فباتت المجتمعات، والكنسيّة منها، تُعاني من التوحّد والأنانيّة والملل والفساد الأخلاقي. بردت محبّة الكثيرين للرّب ولبعضهم، وضعف التّكريس، وخفّ نكران الذات، واندثر منطق الخضوع. كثيرة هي برامج التّوعية المتخصّصة للمحافظة على الأسرة، لكن لا بديل عن الرّجوع إلى منطق الكلمة المقدّسة والتشبّع بها. يقول جون بارنيت في كتابه "فرح العائلة الممتلئة بالكلمة"، "لا توجد مكافأة أعظم من حياة ممتلئة بالكلمة، ولا توجد شراكة أعظم من زواج ممتلئ بالكلمة، ولا يوجد فرح أعظم من عائلة ممتلئة بالكلمة، ولا توجد قوة أعظم من حياة صلاة ممتلئة بالكلمة". يتطابق هذا مع قول الملك سليمان، "بالحكمة يُبنى البيت وبالفهم يُثَبَّت، وبالمعرفة تمتلئ المخادع من كلّ ثروة كريمة ونفيسة" (ام 24: 3).

الخلاصة

حين  وضع الله خطّته للعائلة أمر بأن تحتلّ كلمته مكانة مركزيّة في كلّ جوانبها، وأن تكون هي الموضوع الأساسي في تربية الأولاد وتعليمهم وفي النّقاشات العائليّة، وأن تكون هي زينة البيت الحقيقيّة. هكذا تُحلّ معضلة الخضوع ويخرج الزوجان من "المتاهة" منتصرَين بالمحبّة الّتي لا تسقط ابدًا.

العدد:
السنة: