من ألمانيا لخدمة لبنان قصة حياة المرسلة إيدا زيدان

العدد:
السنة:

تعرفت بإيدا زيدان من سنوات عدة. نظرت لها ولزوجها ورأيت فيهما قدوة لنا. إيدا زيدان تركت فيّ أثرا كبيرا بمحبتها لبلدي ولشعبي وتفانيها في خدمة الرب يسوع بيننا. اجتمعت بها وكان لي هذه المقابلة الرائعة معها.

·       أعرف أن طفولتك كانت صعبة جدا خاصة أنك ولدت في زمن الحرب. أخبرينا قليلاً عن طفولتك وبداية حياتك.

اسمي "إيدا سيوارت" ولدت في رومانيا سنة 1933 من عائلة ألمانيّة قبل سنوات قليلة من بدء الحرب العالمية الثانية مع هتلر. وكانت حربًا قاسية جدًّا. في سنة 1940 طلب هتلر من كل الألمان أن يغادروا، وهكذا أخذونا الى نهر الدانوب وبواسطته الى يوغوسلافيا وثم الى فيينا وبقينا في مخيم للاجئين لسنة ونصف وكنّا 150 شخصًا. هناك في عمر 7 سنين انفجرت "الزايدة" عندي. بقيت في المستشفى لشهرين أصارع خطر الموت ولكن الرّبّ أنقذ حياتي. حوّلونا بعدها لبولونيا وجعلونا نعمل لصالح الجيش.

في 16 كانون الثاني 1945 أمر هتلر أن نترك ونعود الى ألمانيا. كان الوضع رهيبًا والبرد قارسًا جدًّا - 40 درجة تحت الصفر - لكنّنا كنّا مجبرين على الذهاب. استغرقت الرحلة من كانون الثاني لآذار ونحن نسافر برًّا في ظروف صعبة للغاية. كان الموكب يتألّف من النساء والأولاد دون الرجال الّذين كانوا محجوزين للخدمة العسكرية. ولكن الرّبّ حضّر لنا مفاجأة كبرى ووجدنا والدي الّذي كان يداوم في مركز الشرطة. طلب إذنًا أن يبقى مع عائلته فقبلت السلطة شرط أن يهتم بعائلات أخرى. وهكذا سافرنا على عربات الخيل برًّا الى ألمانيا. كان الأمر مأساويًّا جدًّا. وما زال صراخ المتألمين لوفاة أو لمرض في أذنيّ. ولكن الرّبّ أوصل عائلتنا بالسلامة.

·       يبدو أن الوضع كان صعبًا جدًّا. كيف تحملتموه؟

حدث أن والدتي اختبرت الخلاص بالمسيح مباشرة قبيل الحرب وكنا لا نزال بعد في رومانيا. كان هناك اجتماعات وعظ تبشيرية يوميّة وعدد كبير من الناس يحضرونها بما فيهم أمي. وكان هناك تبكيت من الروح القدس للناس للتوبة والرجوع للرب. وكأن الأمر كان تحضيرًا مسبقًا من الرّبّ للناس ليتحمّلوا الضيق القادم.

·       كيف كانت حياتكم بعد رجوعكم لألمانيا؟ هل عدتم لحياتكم الطبيعية؟

ذهبت للمدرسة لسنتين وبعدها انتهت الحرب فوزّعونا على مزارع عديدة لنسكن ونعمل بها. وعندما بلغت الرابعة عشرة وقعت قرعتي لأذهب وأعمل في مزرعة صغيرة مقابل 4 بيضات في الشهر. كان هناك فقر وجوع شديدَين في فترة ما بعد الحرب. وأمّي كانت أيضَا تذهب وتعمل من الرابعة فجرًا لتأتي لنا بالخبز والحليب. ثم حوّلوني لمزرعة أكبر. وهكذا الى أن أصابني داء المفاصل وأضطررت للتوقف والهرب راجعة الى أهلي.

·       كيف كان وضعك النفسي في ظلّ هكذا معاناة كفتاة صغيرة؟

كان لدي مرارة كبيرة في قلبي ونقمة على الحياة بسبب إضطراري للعمل الشّاق في المزارع بدل التوجّه للمدرسة. حاولت أمي جاهدة أن تقنعني بالذهاب معها لحضور اجتماع تبشيري للأخوة القادمين من رومانيا. رفضت كثيرًا في بادىء الأمر، ولكن نزولاً عند إصرار أمّي أن أذهب معها ولو لمرّة واحدة قبِلت. وهناك أصاب الوعظ قلبي في الصميم. وبدأ روح الرب يبكّتني على خطاياي. تلك الليلة لم أستطع النوم وفجأة جاءت أمي لتوقظنا لنترك البيت ونخرج للحقل هربًا من حريق ضخم مجاور. فخرجنا ووقفنا في الحقل نسمع صراخ البقرات وهي تحترق في الأسطبل. كان الأمر مرعبًا جدًّا. وجاءني صوت الرّبّ في داخلي هذا هو مصيرك في جهنم إن لم تقبلي الرّبّ مخلصًا شخصيًّا لحياتك.

وإذ سلِمَ منزلنا وعدنا قمت في اليوم التالي ابحث عن خلاص نفسي. حضرت الاجتماع التبشيري ذلك المساء وكان الموضوع من الآية: "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم". وكان صوت الرب كافيًا لأتوب وأسلّم حياتي للرّبّ بالكامل.

·       كيف كانت حياتك بعد الإيمان؟ هل كان هناك تغييرًا ما؟

كان التغيير كبيرًا جدًّا. اختلفت حياتي بأكملها وصرت فرحة وكلّي إيمان ورجاء وحماس لخدمة الرب. انتقلنا بعدها كعائلة الى مدينة Beatenberg  لضرورات العمل. دُعيت يومًا لمخيّم روحيّ للشبيبة، فذهبت، وهناك شعرت بدعوة خاصة في قلبي لأذهب لكليّة اللاهوت. وهكذا التحقت  ب Beatenberg Bible School.

·       نعلم أن القسيس مزيد زيدان الذي أصبح زوجك لاحقا درس في المعهد نفسه. كيف التقيتما وكيف تطورت علاقتكما معا؟

صحيح. أتى مزيد طالبًا للمعهد. وبعد مضي بعض الوقت لاحظ الجميع أنه كان يراقبني باستمرار. وذات يوم ذهب الى مسؤولة الطالبات هناك وأخبرها أنه مهتم بأمري فصارحتني بالأمر. كانت ردة فعلي الأولى الرفض فأنا لا أعرف لغته (هو القادم من بلد عربي) ولا بلده. لكنّها كلّمتني بتروٍ ونصحتني أن أصلّي للأمر. بعدها بفترة كلّمتني مجدّدًا لأفكر جديًّا في الأمر. صلّيت بحرارة أكثر وطلبت من الرّبّ إن كانت مشيئته أن أرتبط بهذا الشخص أن يُعطيني أن أحبّه أكثر من نفسي، وأن أحب شعبه أكثر من شعبي وليؤكد لي الأمر. وهكذا كان. لقد زرع الرب في قلبي حبًّا لمزيَد كبيرًا جدًّا.

·       هل كان زواجكما سهلا؟ ماذا عن الأهل؟ وماذا عن لبنان؟

لقد اعترض أهلي في البداية على زواجنا وكان هذا متوقعًا. فلم يكن محبذًا لفتاة ألمانيّة ان تتزوج شخصًا عربيًّا. ولكنهم بالنهاية قبلوا. جئنا وتزوّجنا في لبنان. لقد أحببت لبنان واللبنانيّين من كلّ قلبي. ربما لن يصدق أحد أنني لم أشعر بالحنين لبلدي“Homesick”   بتاتًا. كان الناس دائمًا يستغربون الأمر ويقولون لي كيف؟ ألست أجنبيّة؟ كنت أقول بلى أنا أجنبيّة في الشكل لكنني لبنانيّة في قلبي. وأنا أشعر أن لبنان بلديّ، وأتكلم العربية، وأحبّ الشعب كثيرًا. لقد شعرت بالقبول والمحبة نحوهم من اللحظة الأولى.

·       أين خدمتما وكم استمرت هذه الخدمة؟

كان مزيَد يساعد القسيس آيشر في خدمته الفرنسية في بيروت الى أن وضع الرّبّ على قلبه ليبدأ خدمة مماثلة باللغة العربية. وابتدأ باجتماع خاص في منزله لاحقًا إلى أن نما وصار الكنيسة الإنجيليّة التبشيرية في منطقة المتحف. وهناك خدمنا من أول زواجنا في سنة 1957 وحتى سنة 1995. وباركنا الرّبّ جدًّا جدًّا بخلاص كثيرين وبنائهم في الايمان.

أخت إيدا، اسمحي لي أن أتقدّم منكِ باسم مجلّة رسالة الكلمة والمئات من الذين خدمتميهم مع زوجك القسيس مزيد بالشكر إذ خدمتما بأمانة من أول يوم حتى تقاعدكما. وما زلتما تخدمان معًا أينما دعت الحاجة دون كلل أو تعب. وإذ نتأمّل بحياتكما لا يسعنا إلّا أن نتمسّك بما يقوله الكتاب: "أذكروا مرشديكم الذين كلّموكم بكلمة الله. انظروا الى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم".