ميشال عطوي المهندس البنّاء ورجل الإيمان

من أكثر الأمور التي تؤثر فينا هي سيرة أشخاص مثلنا جاهدوا ووصلوا وحقّقوا الكثير في الحياة. والأهم هو أن نعرف كيف تعرّفوا على شخص الرب يسوع في حياتهم فغيّرهم واستخدمهم على نطاق أوسع. ميشال جرجي عطوي أحد هؤلاء. يسرنا أن نلتقي بك لتخبرنا قليلاً عمّا فعله الرب في حياتك. ونحن نعرف عنك أنك مثال الأب الصالح والمحب لعائلته والسهران عليها. ومشهود لك في العصامية والإنضباط، والعمل الدؤوب، والأخلاق، والوفاء، والإستقامة، والصدق والأمانة... والأهم الإيمان الحقيقي المبني على الكتاب المقدس.

معروف عنك انك شخص عصامي أخبرنا قليلا عن طفولتك والعائلة التي ترعرعت فيها؟ وكيف كانت انطلاقتك  في الحياة؟

ولدت سنة 1927 وترعرعت ضمن عائلة طيّبة. والدي جرجي وامي مرتا. سكنا في رأس بيروت ورزقا بأربعة أولاد عزيز, فؤاد، ميشال وسلوى. أكملت دراستي الإبتدائية في المدرسة الابتدائية الأميركية المعروفة بمدرسة السيدة أمينة المقدسي وكنت راغبًا بالعلم بشدة فأنهيت المرحلة الابتدائية وانتقلت الى انترناشونال كوليدج لأكمل دراستي التكميلية والثانوية. كان والدي يعمل كمتعهد بناء ثم فتح محل سمانة وكنت أساعده بمسك الدفاتر والحسابات بعد المدرسة. ولكن القسط المالي للمدرسة كان كبيرًا بالنسبة لنا لذا كنت اجتهد وأحصل على علامات متفوقة لآخذ منحة مدرسية كما كنت أعمل ايضاً في كافيتيريا المدرسة وهكذا اخفف من تكاليف القسط الى ان انهيت علومي الثانوية آنذاك. انتقلت بعدها الى الجامعة الاميركية لأتخصّص في الهندسة المدنية فحصلت على منحة كفاءة أيضا وعملت في المكتبة وهكذا استطعت أن أتعلم وأدفع الأقساط. بعد أن تخرجت مهندسًا مدنيًا حصلت على منحة من شركة Near East Resources  لدراسة Telecommunication في لندن لسنتين. وهكذا صار.

 

كيف انطلقت في حياتك المهنية والعائلية بعد ذلك؟

بعد لندن عدت لبلدي لبنان وتزوجت من زوجتي الفاضلة مارسال موراني وسكنّا في رأس بيروت ورزقنا الرب بثلاثة أولاد. عملت كمهندس في شركة تابلاين حيث بنيت المصافي في صيدا لمدة سنتين واحسست بعدها أنني بحاجة لأنطلق في مغامرة العمل الحر. ففتحت مكتبًا للهندسة والمقاولات مع شريك والرب نجّح مساعينا فأخذنا عدة مناقصات من الدولة من مباني وشق طرقات وأبنية عامّة ومنها سراي صيدا وشاركت في بناء القصر الجهوري في بعبدا. وبعد ايماني استخدمني الرب في بناء عدد من الكنائس والمدارس.

ما الذي غيرك؟ اخبرنا عن حياتك الروحية كيف اختبرت خلاص المسيح؟

والدتي المعروفة ب "أم عزيز" كانت امرأة مميزة جدًا. سمعت البشارة على فم القس سليم الشاروق. فكان هذا نقطة تحول كبير في حياتها. سلّمت حياتها للرب يسوع واختبرت التجديد بالروح القدس. وبفضل حياتها وشهادتها ربحت زوجها للرب وأولادها تباعًا باستثنائي أنا. كنت مكتفيًا بحياتي وتربيتي المستقيمة مؤجلاً هكذا قرار. كانت دائمًا تقول لي أمنيتي ان تطلب المسيح ربًّا  وسيدًا لحياتك قبل مماتي. كنت أحبها بشدة وكانت قريبة جدًا لقلبي ولكنني كنت أؤجل الأمر مكتفيًا بما أنا فيه.

وحوالي عمر الستين مرضت أمي كثيراً بسبب انخفاض السكري مما استدعى اجراء عملية للبنكرياس. بعد الجراحة تعرضت لاشتراكات فساءت حالها جدًا. وكنت أزورها باستمرار إذ كنت متعلقًا بها بشدة ومتأثرًا بها. قلت لها "طولي بالك يا أمي بعد يومين نعود للمنزل" أما هي فكانت شاعرة أنها ستغادر فكانت تردد دائما الآية "إن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا". وكانت تقول: "أنا مش راجعة عالبيت يا ميشال. بدي روح لعند حبيبي يسوع". كان رجاؤها وإيمانها العميقين يشعّان من حياتها ووجهها.

بعد حوالي ثلاث أسابيع من الآلام انتقلت أمي لعند الرب. ذهبت لتكون مع المسيح الذي أحبها وأحبته وأعطته حياتها. في ذلك اليوم عينه ذهبت حزينًا للبيت وكلماتها في أذني. كم كانت تكلّمني عن يسوع وكيف كانت شهوة قلبها أن تراني في الايمان قبل مماتها. تملّكني الحزن والندم الشديدين. أخذتُ الكتاب المقدس بيدي وفتحته لأقرأ فيه. وإذ بي أقع على هذه الآية "وأما الحزن الذي هو بحسب مشيئة الله فينشىء توبة لخلاص بلا ندامة".

بكتّني روح الرب فركعت على ركبتي وطلبت الرحمة والغفران وسلمت حياتي له من كل قلبي.

يا له من اختبار مميز. ماذا عن حياتك بعد هذا وما الذي تغير؟

كانت والدتي سيدة مميزة جدا بخدمتها الروحية وتكريسها والتزامها. فبعد وفاتها وتسليمي حياتي للرب شعرت أنه لا بد لي أن آخذ مكانها في الخدمة. فصرت أواظب على حضور اجتماعات الكنيسة والخدمة بكل تفاصيلها. وهكذا ربيت أولادي أيضا على خدمة الرب أولاً.

المعروف عنك انك كنت ناشطًا جدًا في العمل الكنسي المعمداني. وترأست المجمع المعمداني دورتين. وقمت ببناء عدة منشآت انجيلية؟

صحيح. لقد شرفني الرب بذلك. ولكن بقي العمل الكنسي المحلي هو الأحب لقلبي. كنا نسكن في منطقة رأس بيروت. فانتميت الى كنيسة رأس بيروت المعمدانية. والتزمت بكل طاقتي بالكنيسة المحليّة.

معروف عنك أيضا أنك شيّدت مبنى كنيسة رأس بيروت المعمدانية الحالي؟

نعم كانت الكنيسة تملك عقارًا ومبنى قديم في رأس بيروت. وقررت الكنيسة أن تهدمه وتبني مبنى جديد من ثلاث طوابق لكافة خدماتها من صفوف لمدارس الأحد وخدمة الشبيبة الى ما هنالك. ولقد كان هناك ثقلا ًكبيرًا على قلبي بأن نستخدم الأرض لأكثر من ذلك خاصة أنها تقع في وسط العاصمة. فاقترحت أن نبني مركزًا تجاريّا - "راس بيروت سنتر" - خلف الكنيسة مؤلف من أحد عشر طابقًا يديره مجلس أمناء ويعود ريع إيجاراته لدعم التعليم اللاهوتي والخدّام والكنائس في الوطن.

ماذا كانت رؤيتك بالضبط وكيف حقّقتها؟

كان فكرتي أن العمل الروحي الوطني يُدعم بمصادر وطنية محلية دون الحاجة للإرساليات الأجنبية. فشاركت الأمر مع الكنيسة. التي وافقت على الأمر لكن لم تكن الإمكانيات المادية متوفرة لتحقيقه. لذا قمت شخصيًا مع راعي الكنيسة آنذاك القس فيليب زكا بأخذ قرض من البنك على اسمينا وهكذا شيّدنا البناء.

وكان من المفترض أن نؤجر المبنى لنسدد به القرض مع الفوائد. اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية وحالت دون ايجاره. فكانت تمر الأشهر ونحن نصلي لنتمكن من تأجيره. وأخيًرا استجاب لنا الرب وتأجر المبنى. وهكذا أعاننا الرب الى أن سدّدنا الدين بالكامل.

 

نعلم أن الحرب اندلعت لسنين طويلة؟ هل غادرت البلد؟

كنت أشعر بثقل المسؤولية نحو كنيستي وعائلتي ووطني. فلم أرد المغادرة مع ان الأمر كان سهلا لو أردت. سنة 1982 أتى الاجتياح الإسرائيلي فكانت أيامًا عصيبة جدًا. قصف الطيران المنطقة كلها. فهرب معظم سكان المنطقة بما فيهم معظم أعضاء الكنيسة. والمعروف آنذاك أنه كانت الميليشيات تأتي لمصادرة المباني التي يخليها أصحابها. فلم أغادر المنطقة حرصاً على الكنيسة. أرسلت عائلتي (زوجتي وولدي الأصغرين) ويقيت هناك مع ابني البكر نديم. وكانت المنطقة في حصار قوي لمدة ثلاث أشهر يمنع ادخال الخبز والخضار والماء إليها. وبقي أيضا الأخ أسعد حداد معي وصرنا نقوم بخدمة الجيران وإيوائهم في الملجأ.

وبعد إنتهاء الحرب إنتقلت للمنطقة "الشرقية" بسبب العمل. وانضممت للخدمة التي كان يؤسسها صهري القسيس إدكار طرابلسي. الذي أكرمني الرب به إبنًا ثالثًا. وتابعنا العمل الروحي معًا.

الآن قاربت التسعين هل من كلمة أخيرة تقولها لنا؟

اقول ليس أجمل من الحياة مع المسيح "إلى هنا أعاننا الرب" و"عظّم العمل معنا". له كل الشكر والتعظيم. أعتبر نفسي أغنى إنسان على الأرض إذ أراني الرب أولادي وأحفادي كلّهم في الإيمان بالمسيح.

العدد:
السنة:
الشهر: