مُدُن الملجأ

الموضوع:
العدد:
السنة:

شهد بلدنا في الآونة الأخيرة جرائم قتل متعمَّدة ارتُكِبَت بكلّ وحشيّة وخلّفت علامات استفهام حول الأسباب الّتي تقف وراءها. وعلى وقعها اهتزّت مدن وقرى عديدة. فرغم وجود قوانين رادعة، إلاّ أنّ هذه الجرائم ما زالت متفشّية في مختلف المناطق اللّبنانيّة. ولكن قد تحدث أحيانًا جرائم قتل غير متعمّدة فيحاول القاتل أن يتوارى عن الأنظار لكونه بريئًا.

لقد عيّن الله في العهد القديم مدنًا يلجأ إليها القاتل سهوًا وحدّد بالتّدقيق شروط الإلتجاء إليها. فإن كان قد ارتكب الجريمة عن سابق قصد وتصميم، ولو احتمى في إحدى هذه المدن كان يُؤتى به من هناك ويُسلَّم إلى وليّ الدّم ليُعاقب. ولكن إن كان قد ارتكبها سهوًا، كان يُسمح له بعد عرض دعواه أمام شيوخ مدينته بالبقاء في إحدى مدن الملجأ إلى أن يموت رئّيس الكهنة. وهكذا كان يُمنَع وليّ الدّم مِن أن ينتقم لدم القتيل.

تقع مدن الملجأ شرق وغرب الأردن وهي ستّ: قادش وشكيم وحبرون وباصر وراموت وجولان. ويتساءل البعض عن مدى أهميَّة مُدن الملجأ هذه وعلاقتها بالمسيح.  فهي تُشير وترمز - بروح النبوة - إلى المسيح الّذي هو ملجأنا وحِصنُنا كما تعكس مكانتنا ودورنا كمؤمنين.

أوّلاً، مدينة قادِش وموقعها في أقصى الجنوب مِن مدينة يهوذا، وهي تعني المكان المقدّس أو مدينة البرّ. فعندما نأتي إلى المسيح ونعترف له بخطايانا ونطلب منه المغفرة ننال البرّ والغفران (رو 3: 24). فليس هناك مِن خطية لا يستطيع المسيح أن يغفرها وليس هناك مِن تلوُّث لا يستطيع أن يُزيله. ثانيًا، مدينة شكيم في السّامرة وتعني مكان الرّاحة. فالمسيح الذي حمل أحزاننا على الصّليب وتحمّل أوجاعنا يوجّه دعوة لكلّ مُتعَبٍ من خطاياه أو همومه بأن يُقبِل إليه وهو حتمًا سيُريحه من أثقاله (مت 11: 28). ثالثاً، مدينة حبرون وهي إلى الجنوب مِن وادي أشكول وتعني مكان الشّركة. يذكر الكتاب المقدّس بأنّ خطايانا كوَّنت جدار عداوة بيننا وبين الله وفصلتنا روحيًّا عنه، ولكن بموت المسيح تمّت المصالحة مع الآب واستعدنا الشّركة الحميمة معه ومع ابنه يسوع المسيح (2 كو 5: 18).

رابعًا، مدينة باصِر الواقعة شرق الأردن وتعني المكان الحصين والآمن. فجميع الّذين هم في المسيح يشعرون بالأمان إذ لديهم برج حصين يركضون إليه وقت الصّعوبات ويتمنّعون (أم 18: 10). خامسًا، مدينة راموت وتعني المكان المرتفع. تشير هذه المدينة إلى المقام الرّفيع الّذي لنا في المسيح. فالله انتشلنا من ظلمة ومزبلة هذا العالم وأجلسنا معه ومع أشراف شعبه في السّماويّات (أف 2: 6). ولهذا السّبب لا يستحي المسيح بأن يدعونا أخوة. سادسًا وأخيرًا، مدينة جولان في باشان الواقعة شرق الأردن وتعني المكان المُفرَز. ونحن كمؤمنين مطالبون بأن ننفصل عن العالم الفاسد الشّرير وشهواته المغرية ونسعى نحو القداسة الّتي بدونها لن نرى الرّبّ (عب 12: 14).

هذه المدن السّتّ ترمز للمسيح الّذي فيه نلنا التبرير وعنده وجدنا الرّاحة والأمان وبواسطته استرجعنا الشّركة مع الله فأَفرَزنا للخدمة ورفّع مقامنا إذ أصبحنا أولاد الله. فمهما أثقلت الخطايا كاهلنا واشتدّت سهام إبليس الملتهبة نحونا فلنتذكّر بأن لنا برجٌ وملجأٌ حصين نلجأ إليه ونحتمي فيه.