هل تنازل المسيح عن مهام الشفاعة؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يخبرنا الكتاب المقدّس أنّ المسيح بعد أن قام من الموت، وبعد أن كلّف تلاميذه بالمأمورية العُظمى، صعد الى السماء، وجلس عن يَمِين الله ليقوم بدور الشفاعة لأجلنا (مر16: 19). ويتغنّى العهد الجديد بشفاعة المسيح ويؤكّد أنها حصرية: "إن أخطأ أحد، فلنا شفيعٌ عند الآب: يسوع المسيح البار" (1يو2: 1). كما أنّ شفاعته مقتدرة وفائقة وغير مُقيّدة أو محدودة بشيء: "من هُوَ الذي يَدين؟ المسيح هو الذي مات، بل بالحري قامَ أيضاً، الذي هو أيضاً عن يَمين الله، الذي أيضاً يَشفَعُ فينا" (رومية8: 34).

يؤكّد العهد الجديد أن شفاعة المسيح مستمرّة ودائمة ولا تتوقّف طالما أنه الحيّ الأبديّ: "فمِن ثمّ يقدر أن يُخلِّص أيضاً الى التمام الذين يتقدّمونَ به الى الله، إذ هو حيٌّ في كلّ حين ليَشفَع فيهم" (عب7: 25). وإضافة الى شهادة الكتاب، لم تتردّد أجيال من المسيحيّين، ومعهم آباء الكنيسة، بأن يأخذوا المسيح كشفيعهم الوحيد. ومن هؤلاء: بوليكاربوس وترتوليان وأثناسيوس ويوحنا الذهبي الفم وأغسطنيوس، وغيرهم من المصلحين أمثال: لوثر وكالفن وزوينغلي وغيرهم كثيرين.

وأسأل: ماذا عنّا؟ هل نتشجّع باعتماد شفاعة المسيح دون سواه؟ ألا يزال المسيح على العرش عن يمين الآب يشفع فينا؟ أيا تُرى هل تخلّى عن وظيفته الشفاعية فصار مَنسيًّا! وأسأل: لماذا لا ذِكر له إلاّ في الأعياد والمناسبات المعدودة؟ وهل يعجَز المسيح أن يؤدّي دور الشفاعة وأن يَفي بالمطلوب إن توجّهنا إليه؟ أم أنّ شفاعته لم تعُد مُجدية في أيامنا ولا نفع لها فتخلّينا عنها؟ وأسأل أيضًا: أينَ المسيح ممّا يحصل في حياتنا وفي بيوتنا وفي مجتمعنا؟ لماذا نشعر أننا متروكين؟ أليسَ لأنّنا تركناه ورفضنا مشورته وتخلّينا عن شفاعته؟ أيا تُرى يعجز المسيح عن القيام بأمر ما؟ أليسَ هو الرّب الذي لا يَعسُر عليه أمر؟ ألا نقرأ في الكتاب "أنّ غير المستطاع عند الناس، مُستطاع عند الله." أليسَ هو الذي يشفع في المذنبين، ويصرخ إلينا: "تَعالوا إليَّ، يا جميعَ المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنَا أُريحكُم" (مت 11: 28).

من يعرف من يكون المسيح يعرف أنه لا يتغيّر ولا يتخلّى عن دوره ولا يُجيّره لآخر! فالمسيح يبقى "هُوَ هُوَ أمسًا واليوم والى الأبد" (عب 13: 8). لنرجع إليه ولنقصده طالبين شفاعته بثقة، فنحظى برعايته وعنايته ونتمتّع بحمايته ونهنأ باستجابته.

حقاً يا له من شفيع! إنه المسيح "الإله الوحيد والوسيط الوحيد بين الله والناس" (1تي 2: 5). إنه صاحب الشفاعة المقتدرة غير المحدودة واللامتناهية والتي تتجاوز قوانين الطبيعة. إنه المسيح خالقنا وشافينا من أمراضنا الجسدية وغافر خطايانا الشخصية. مَن اختبر عظمة شفاعة المسيح أدرك أنها كافية ووافية، فيعترف مع داود الملك: "الرّبُّ راعيَّ، فلا يُعوزني شيء"، ويُردّد مع آساف الملك: "مَن لي في السَّماء؟ وَمَعَكَ لا أُريد شَيْئًا في الأَرْض".