هل كان موت أبولونيا الإسكندرانيّة استشهادًا أم انتحارًا؟

الكاتب:
العدد:
السنة:
أبولونيا

ما هو مقدار محبّتك للمسيح واستعدادك للتضحية؟ هل تحبّه إلى درجة تُفضّل الموت على أن تخطئ إليه أو تنكره؟ في الوقت الذي ابتدأ الاضطهاد يضرب المسيحين الأوائل في الأمبراطوريّة الرّومانية، كانت مدينة الإسكندرية محطّ أنظار الكثيرين كونها مركز الثقل المسيحي المشرقي. وفي ذروة الاضطهاد، ابتدأت جماعات المؤمنين بالنزوح بعيدًا عن المدينة، تاركين وراءهم ممتلكاتهم وأحبّاءهم. وكان يوجد في تلك الأيام امرأةٌ وقورة اسمها أبولونيا، حيث عُرفت فيما بعد بشمّاسة الإسكندرية بسبب إيمانها والتزامها المسيحي ورفضها الهروب من المدينة رغم الإضطهاد. أحبّت هذه المرأة الربّ يسوع المسيح بشدّة، كما وأعلنت إيمانها جهارًا ما حدا بالسلطات المحلية إلى اعتقالها وضربها وتجريحها أمام الملا.

ثبات وصمود القديسة

مَن هي هذه المرأة ولماذا تسليط الضوء على موتها في تلك الحقبة المظلمة من تاريخ الكنيسة في القرون المسيحية الأولى؟ ولدت أبولونيا لأمٍ وثنية كانت عاقرًا، إلاّ أنها آمنت بالمسيح فيما بعد فكانت سبب خلاصٍ لعائلتها وأولادها. وبدورها آمنت أبولونيا وتشمّست في الكنيسة في الإسكندرية، فكان إيمانها مشهودًا له في مختلف أرجاء المعمورة. وفي سنة 249 خلال حكم الإمبراطور فيليب، احتفل المجتمع الروماني بمرور 1000 سنة على تأسيس مدينة روما التي يقال إنها شُيّدت حوالي 750 ق.م.، وذلك بتقديم الذبائح لآلهتهم الوثنية. ولما رفض المسيحيون المقيمون في تلك المدينة المشاركة بهذه الطقوس الغريبة، صبّ الناس جام غضبهم على بعض أبرز الوجوه المسيحية آنذاك ومن بينهم ميتراس وكوينتا وسيرابيون الذين عُذّبوا وقتلوا بأبشع الصوَر. يذكر التاريخ إن الرسميين في تلك المدينة لم يُحرّكوا ساكنًا تجاه هذه الأحداث بل شجّعوها وأضرموا نيران الكراهية في نفوس الجماعة الخاضعة لسلطتهم. وبينما استمرّ الاضطهاد، هرب معظم المسيحين من مدينة الإسكندرية إلى أماكن أقلّ عدائية وأكثر أمانًا.

استمرّت أبولونيا بالبقاء في المدينة رغم المخاطر المحدقة وكرّست وقتها ومجهودها في خدمة الناس الذين كانوا يعانون من آثار الاضطهاد، ومن بينهم مَن سُجنوا بسبب إيمانهم حيث كانت تشجّعهم على البقاء والتمسُّك بالربّ رغم الآلام. ويذكر التاريخ أيضا أن حفنةً من الرعّاع وقطّاع الطرق ألقت القبض على أبولونيا في التاسع من فبراير سنة 249. وبالرغم من أنها ضُربت وجُرّحت وهُشّمت جميع أسنانها بوحشية ظاهرة، حافظت على إيمانها ولم تقبل أن تنكر المسيح رغم عذاباتها. ويقال إنه عند إصرارها على عدم نكران إيمانها أنّ الجمع أضرموا النيران وهدّدوا بإحراقها حيًّة، لكنها أبت الرجوع والاستسلام. ولما أعطوها فرصة أخيرة، تظاهرت أبولونيا بأنها غيّرت فكرها لتنكر إيمانها فطلبت من آسريها أن يحلُّوها ويدعوها تذهب، ولما حُلّت ألقت بنفسها في النيران المتّقدة مفضّلة بالأحرى الموت الطوعيّ على نكران المسيح.

مواجهة الموت بشجاعة

تأثّر الكثيرون من أولئك الذين عاينوا موتها بتلك الطريقة، ومنهم مَن آمن بسبب إيمانها وجرأتها. البعض يتساءل محقًّا: كيف يمكن أن يكون هذا وما هو مقدار هذه الجرأة التي تحدو بأحدهم أن يُفضّل الموت على نكران الإيمان؟ لا شكّ أن الكنيسة الأولى كرّمت إيمانها وجرأتها، ومنهم أحد أبرز الآباء الأولّين القدّيس أوغسطينوس الذي أشاد بموتها الاختياري وكأنه إلهامٌ من الروح القدس. إلاّ أن البعض الآخر من رجالات الكنيسة تحفّظوا على أسلوب موتها الطوعيّ واعتبروا اندفاعها نحو الموت بهذه الطريقة في لحظاتها الأخيرة نوعًا من الانتحار وذلك لأنه ليس ممكنًا لأحدٍ ما من الناس أن يُقرّر مصيره بيديه ولا سيما إذا كان هذا الأمر يتعلّق بالموت والحياة.

يُذكّرني هذا الحدث التاريخيّ الهام من أيام الكنيسة الأولى المضطّهدة بسلسلة التطورات الاجتماعية والروحية التي رافقت حياة رجل الله شمشون. وبعد صراعٍ طويل مع الأعداء كما يقول سفر القضاة، استسلم شمشون وأنهى حياته مع أعداءه بيديه. "فدعا شمشون الرب وقال: يا سيدي الرب، اذكرني وشدّدني يا الله هذه المرة فقط، فأنتقم نقمة واحدة عن عيني من الفلسطينيين. وقبض شمشون على العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائما عليهما، واستند عليهما الواحد بيمينه والآخر بيساره. وقال شمشون: لتمُت نفسي مع الفلسطينيين. وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي فيه، فكان الموتى الذين أماتهم في موته، أكثر من الذين أماتهم في حياته‘ (قض 16: 28-30).

يتساءل المرء الذي يخاف الربّ عن كيفية تبريرنا لمواقف كهذه وما إذا كان يحقُّ لنا أن نقبلها ونُجلّها ليَخلُص إلى القول إن إرادة الله وقصده للإنسان إنما هي الحياة، أما الموت في سبيل البرّ ومن أجل المسيح فهو ربحٌ كما يعلّم الرسول بولس: "لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح" (في 1: 21).