هل ندرس الفلسفة أو نتجنّبها؟

العدد:
السنة:

إنّ كلمة "فلسفة" مُشتقّة من الكلمة اليونانية Philosophia وتعني "محبّة الحكمة أو المعرفة". نرى أنّ الفلسفة تعتمد بشكل رئيسي على استخدام الحُجّة العقلانية والتفكير الناقد في تحليل تفكير الإنسان وكيفية كسبه للمعرفة وتفاعُلِه مع المحيط المادي والمعنوي. تعترض فكر الإنسان أسئلة فلسفية كثيرة كالواقع والحياة والحقيقة والجمال فيبدأ بتحليلها ودراستها لِفَهمها واستيعابها.

الفلسفة العالمية والحكمة الكتابية

في إطار كسب المعرفة، يقول الكتاب المقدّس: "اقتنِ الحكمة. اقتنِ الفهم. لا تنس ولا تُعرِض عن كلمات فمي. لا تتركها فتحفظك. أحبِبْها فتصونك" (أم 4: 5-6). نرى في هذه الكلمات، أنّ الفلسفة بعُمقها وتأثيرها هي عاملٌ بنّاء وإيجابي في صياغة الشخصيّة النامية الباحثة عن الحق. وإن تعدّدت المفاهيم والأطر الفلسفيّة في العالم وكثُرت النظريّات والحِكَم وتنوّعت مصادر المعرفة والعِلم، تبقى حكمة الفلسفة الحقيقيّة في ما تُعلّمه الكلمة الإلهيّة حول غاية وجود الإنسان ودوره ككائن إجتماعيّ. أيقن حكيم الكتاب أنّه لا يوجد حدودٌ للمعرفة والحكمة، إلا أنّ الحكمة والفلسفة الحقيقيّة تبقى في إطاعة الله والعيش في التقوى والقداسة: "فلنسمع ختام الأمر كلّه: اتّق الله واحفظ وصاياه، لأنّ هذا هو الإنسان كلّه" (جا 12: 13).

يؤمن الإنسان الباحث عن الحق أنّ كلمة الله هي المصدر الحقيقيّ للإجابة على تساؤلات الإنسان الكثيرة في هذه الحياة. إلا أنّ الفلسفة، وهي حقلٌ علمي وأكاديمي واسع، يُمكن أن تُستخدم في البحث عن المعرفة ولسبر أغوار المجهول الفكري والعلمي في ضوء إعلانات كلمة الله. وهكذا يُمكن استخدام الفلسفة ضمن الأطر والضوابط الكتابية كأداة واقعيّة في الحقل الإيمانيّ الإنجيليّ الواسع. نرى أن الرسول بولس لم يتأثّر كثيرًا بالفلسفة اليونانيّة السّائدة في أيّامه عندما وقف في وسط مدرستها في الأريوس باغوس بل استخدمها كمِنصّة للإنطلاق نحو نشر المعرفة العميقة للإله الوحيد الحقيقيّ (أع 17: 28). وتناول بولس أقوال الفلاسفة وشعرائهم للتأثير على فكرهم ومعرفتهم لجذبهم نحو المعرفة الكتابيّة والحكمة السامية المعُلنة في الإنجيل (تي 1: 12).

فلسفة الإيمان في الفكر المسيحي

غالبًا ما يُنظر إلى الإيمان المسيحي كفكرٍ مجرّد من العقلانيّة والموضوعيّة، بينما نُدرك في واقع الحال بأنّ هذا الفكر له عُمق وفلسفة ويُمكن إدراكه بالروح والقلب والعاطفة ولكن أيضًا بالعقل والمنطق والفكر. من هذا المنطلق، أرى أنّ الفكر المسيحيّ الموضوعيّ يُضاهي الفلسفة المنظّمة ويستخدم مبادئها في إدراك واستيعاب أسرار الحياة، فينطلق من الفكر العاطفيّ المجرّد لكي يُثبِّت المنطق العقلّي المتّزن والحكيم. نُدرك أنّ الفلسفة اليونانيّة القديمة لم تستوعب الفكر المسيحيّ الناشئ في العالم آنذاك بل كانت تنظر إليه كفلسفة غير منطقيّة لا تمتّ إلى الواقع الماديّ والفكريّ بصلة. فالفلسفة العالمية لها حدودٌ ولا يُمكن أن تمنح الإنسان الباحث عن الحق المعرفة الكاملة، أما الفلسفة المسيحيّة بفكرها الثاقب وعقيدتها الراسخة وحُجَجِها المقُنِعة والرائدة تستطيع أن تأخذ الإنسان إلى منابع الحكمة والمعرفة الحقيقيّة (1 كو 1: 23). أستطيع أن أختصر الفلسفة الكتابيّة بهذه الكلمات الحكيمة: "بدء الحكمة مخافة الرّبّ، ومعرفة القدّوس فهم" (أم 9: 10).

الفلسفة والإعلان الإلهي

أظهر الله حكمته للإنسان بإعطائه فكر المسيح (في 2: 5)، فبدون إعلان الله لا يستطيع الإنسان أن يفهم ما لروح الله (1 كو 2: 14-16). لذلك نرى أنّ منطق الحكمة والفلسفة لا يُفهم بالعقل البشري المجرّد لأن فكر الأنسان يبقى محدودًا وغير كاملٍ ولأنّ الحكمة النازلة من فوق لا يُمكن أن تُفهَم إلا بالإرشاد الإلهي. فالحكمة البشرية وفلسفتها ناقصة وغير بنّاءة لأنها لا تُعبّر عن فكر الله الحقيقيّ. فهذه الحكمة غير النازلة من فوق، ممكن أن تكون أرضيّة أو نفسانيّة أو شيطانيّة (يع 3: 15). بينما الحكمة السماويّة هي دومًا من فكر الله منذ الأزل وأُظهرت لنا بالوحي وبطرق مختلفة وبشخص يسوع المسيح المذخّر فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة (عب 1: 1-2). الإيمان بالله إذًا ليس جهلاً  كما يعتقد الكثيرون، إنما هو عين الحكمة والفهم والإدراك. إذًا، بالإيمان نفهم كيف خلق الله العالم (عب 11: 3)، وبالإيمان ندخل إلى أعماق الحكمة الإلهية (أم 3: 5-6)، وبالإيمان نُدرك مصادر الفهم والإعلان الإلهي في الفلسفة.

إيجابيّات الفلسفة وسلبيّاتها

نُدرك أنّه لا ضيرَ من دراسة الفلسفة على الإطلاق لأنها تُمثّل تبسيطًا للمفاهيم البشرية ومدخلاً لاستيعاب العناصر الأساسيّة في تكوين هذا العالم وهدف وجود الإنسان. لكن إذا اعتقدنا أنّ هذه الفلسفة هي مصدر كلّ العِلم والمعرفة، تصبح إذًا أداةً أساسيّة في ابتعاد الإنسان عن الحّق الإلهي، وكلّما اقتربنا إلى الله نفهم عُمق الفلسفة الإلهيّة وأبعادها – "فإنّنا ننظر الآن في مرآة، في لُغز، لكن حينئذٍ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذٍ سأعرفُ كما عُرفت" (1 كو 13: 12).

عندما يعتمد الإنسان على فهمه وفلسفته في بحثه عن الحّق سيبتعد عن الحّق الإلهي في الفكر والعقيدة والممارسة ويهلك لا محالة (مز 40: 4). لهذا السبب نرى أنّ الفلسفة العالمية محفوفة بالمخاطر، وبما أنّ الفكر البشري يملأ الكتب والموسوعات ومصادر العِلم كافةً، ينبغي على الإنسان الباحث عن المعرفة الحقيقية أن يُدرك مخاطر الفلسفة ويتعامل معها بحكمة ومسؤولية (1 تي 6: 20). فإذا كانت الفلسفة أداةً علميّة في كسب المعرفة، عندها يُمكن استخدامها لإنارة العقل البشريّ ولإظهار فكر الله الأزلي. أما إذا اُستخدِمت الفلسفة بقصد ضلال الإنسان وابتعاده عن الحّق الإلهي، فإنها بذلك تفقد مصداقيّتها في صياغة الفكر الإنساني المجرّد في بحثه عن الحكمة النابعة من توقٍ داخلي في اختبار أسرار العِلم وفَهم كنوز المعرفة الفائقة الوصف – "اكشف عن عينيّ فأرى عجائب من شريعتك" (مز 119: 18).