هيوغو غروتيوس (1583-1645)

الكاتب:
العدد:
السنة:

لا يمتلك بعض الرجال قدرة الحكم على أعمالهم وهيوغو غروتيوس أحدهم. انتحب وهو على فراش الموت على معظم أعماله معتقداً أنّها من دون أيّة قيمة. وتوفيّ في 28 آب 1645 مقتنعًا بأنه كان فاشلًا.

تميّز هيوغو منذ مطلع شبابه وبرهن على أنّه سابق لعهده. ونال وهو في العاشرة من عمره الأوسمة على حسن لغته اللّاتينية. والتحق في الحادية عشرة بجامعة لايدن حيث دُعِيَ "إيراسموس الثاني". وفي الرابعة عشر نقّح موسوعة ماتيانوس كابيلا بأكملها وأعاد إصدارها وبذلك قرأ جميع ما ورد فيها من سِيَر عظماء التاريخ. وشارك في الخامسة عشر في مناقشات عامة كثيرة، وعيّنه جون فان بارنيفيلد العظيم في مهمة للسّلام. وفي السّابعة عشر ناقش أوّل قضية قانونية له. وفي الثانية والعشرين وضع كتاباً في القانون أبرز فيه قناعاته الحقوقيّة من دون أن يصدره.

شكّل كتابه "حرية البحار" أوّل مغامرة له في القانون الدّولي، وناقش فيه الحرية المشرعة في المياه الدّولية. بنى غروتيوس نظرياته في هذا الكتاب على إيمانه الثابت بحقوق الإنسان. واشتهر معظم أعمال غروتيوس بالحكمة والابتعاد عن الحذلقة. وبالرّغم من استعانته بمجموعة هائلة من المصادر والمراجع الّا أن أعماله تميّزت بإبداعه وإحساسه.

دخلت هولندا في تلك الفترة في نزاع لاهوتي حادّ بين الأرمنيّين والكالفينيّين. ودفع ذلك بكل ولاياتها إلى عقد مؤتمر وإصدار مرسوم لتهدئة الإحتقان. لكن ذلك باء بالفشل. ورأى كلّ من بارنيفيل وغروتيوس وغيرهم أن الأمير موريس أوف أورانج أصبح ديكتاتورًا. فشجّعوا الولايات على عقد معاهدة سلام مع اسبانيا، الأمر الذي أغضب الأمير موريس فأصدر حكماً بالإعدام في حق بارنيفيل وبالسّجن المؤبد لغروتيوس. واستطاع غروتيوس، بمساعدة من زوجته المؤمنة، الهرب من السجن. ولاقى ترحيباً في الكثير من الدول الاوروبية. وكتب في منفاه أشهر كتاب له وهو "قانون الحرب والسلام".

عانت أوروبا المسيحية في تلك المرحلة من أزمات مأسويّة متواصلة ومن حروب وحشيّة مدمرة. لم يظهر أي من القادة أية رحمة تجاه الآخر بإستثناء من تأثّر بأعمال غروتيوس. وكان غروتيوس قد أظهر، إن في المسيحيّة أو في الوثنيّة، كيف أن أفضل الرجال عبر العصور تميّزوا بالرحمة وبالأمانة في العلاقات الدوليّة. وبعد ثلاث سنوات على وفاته عُقد مؤتمر ويستفاليا في 1948 وجسّد الكثير من مبادئ غروتيوس. وبعد مئتي عام إعتُمِدت أعماله أساساً للقانون الدّولي. وقد هدفت جهود غروتيوس الكبيرة الى إرساء السّلام بين المسيحيّين وإلى الدفاع عن حقيقة المسيحيّة.