وصيّة أب قبل وفاته

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يُسارع الكثير من الآباء وهم يتقدّمون في السّنّ إلى كتابة وصيّتهم قبل وفاتهم تجنّبًا لأي خلاف قد يطرأ بين الأبناء. تختلف الوصيّة من أب لآخر. فمنهم من يوصي ابنه من جهة الأملاك والشّركات، ومنهم من يوصيه الإهتمام بالوالدة أو بأخ مريض أو أخت معوّقة. كلّ هذه الوصايا جيّدة وضروريّة، ولكن تبقى هناك وصيّة تفوق كلّ هذه الوصايا وقليلون هم الذين يوصون بها.

لقد تميّز الملك داود ببطولاته وتأسيسه لمملكة قويّة وغنيّة، إلاّ أنّه في نهاية أيّامه لم يكن جلّ همّه توريث ابنه سليمان، الّذي سيتسلّم زمام الملك، القصر الفسيح ولا المال الكثير. لكنّه سعى لتوجيه قلب ابنه إلى الله بقوله له: "وأنت يا سليمان ابني، اعرف إله أبيك واعبده بقلب كامل ونفس راغبة، لأنّ الرّبّ يفحص جميع القلوب، ويفهم كل تصوّرات الأفكار. فإذا طلبته يوجد منك، وإذا تركته يرفضك إلى الأبد"  (1 أخبار 9:28).

علم داود أنّ ابنه لن ينجح في حكمه ما لم يوجّه قلبه إلى الله ويعرفه، ليس معرفة عقليّة ذهنيّة وحسب بل أيضًا معرفة مقترنة بطاعة قلبيّة كاملة. فالإرتباط بالله و يكون من قلب كامل أو لا يكون. والقلب الكاملٌ يتحلّى يسمح لله أن يعمل فيه ويغيّره ليتوافق مع مشيئته. وهذا ما أراده داود لابنه سليمان في بداية حكمه أن يتحلّى بفكر الله ويستسلم لقيادة ملك الملوك.

وأراد داود لابنه أن يتقدّم إلى الله ليس على سبيل الفرض الديني الذي كان يقوم به الملك في تلك الأيّام. بل أراد أن يكون له أشواقًا روحيّة تدفعه للأعماق بعلاقته مع الرّب.

لقد نبّه داود ابنه بأنّه لا يستطيع أن يخدع الله بعبادته، فهو فاحص القلوب وفاهم كلّ أفكار الإنسان. وشجّعه لطلب الرّبّ مؤكّدًا له أنّه سيكون معه ليسنده ويقوّيه، وحذّره من ترك الرّب لما لذلك من عواقب وخيمة.

يا لها من وصية رائعة نوصي بها أولادنا، وسيكون لهذه الوصيّة التّأثير الأقوى في حياتهم إن كنّا نحن بدورنا نعيش بحسبها كما فعل داود. فهو قد اختبر حلاوة الشّركة مع الرّبّ وذاق كم هو طيّب. وتميّز بقلبٍ كاملٍ حتى إنّ الرّبّ نفسه شهد عنه بقوله "وجدت داود رجلاً حسب قلبي". كان يبكّر إلى الله لأنّه كان يشتاق للشّركة معه. لقد كانت شهوة قلبه الوحيدة أن يكون في محضر الرّبّ لينظر إلى جماله ويتفرّس في هيكله. هل سبق أن افتكرنا بمثل هذه الوصيّة لأولادنا؟