ليست المشكلة في أن يكون في حياتنا أبطالٌ، بل في الطّريقة الّتي ننظر إليهم بها. من الطّبيعيِّ أن نُعجب بشخصٍ ناجحٍ، أو نحترم قائدًا، أو نحبَّ شخصيّةً أثّرت فينا. لكن أحيانًا يتحوّل هذا الإعجاب الهادئ إلى شيءٍ أكبر من حجمه. نبدأ برفع الشّخص فوق طبيعته، ونتعامل معه وكأنّه لا يخطىء ولا يضعف. ومع الوقت، ننسى أنّه إنسان ٌمثلنا، له حدودٌ، وله لحظات ضعفٍ لا نراها. وحين يسقط، تكون الصّدمة كبيرةً.
ليس لأنّ الخطأ غير متوقّعٍ، بل لأنّنا لم نسمح لأنفسنا أصلًا أن نتخيّل أنّه قد يُخطئ. كنّا نحتاجه ثابتًا كي نشعر نحن بالثّبات، قويًّا كي نعوِّض ضعفنا، واضحًا كي نهرب من حَيرتنا. لذلك عندما يتعثّر، نشعر وكأنّ الأرض اهتزّت تحت أقدامنا. في الحقيقة، الّذي انهار ليس فقط صورته، بل الفكرة الّتي بَنيناها عنه.
بين قيمة المبدأ وضعف الإنسان
لعلّ أصدق توصيفٍ لهذه الازدواجيّة بين المبدأ وحامله، هو ما نقرأه عند بولس الرّسول الّذي يُميّز بين قيمة الكنز وهشاشة الإناء، حين يقول: “وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ للهِ لاَ مِنَّا”. المَعنى هنا لا يرمي إلى الحطِّ من قدر الإنسان، بل إلى وضعه في حجمه الحقيقي؛ فنحنُ مهما أُعجبنا بـ “البطل”، يظلُّ في جوهره “إناءً خَزَفيًّا” قابلاً للكسر والتّعثّر. وحين نجعل من بشرٍ مِثلنا مصدر أماننا المُطلق، فإننا نُحمّل هذا “الخزف البشريّ” ثقلاً يفوق طاقته، ونُعرّض أنفسنا لخيبةٍ محتومة؛ ليس لأنّ الكنز قد فَقَد قيمته، بل لأنّنا نسينا أنّ الإناء الّذي يحمله – بطبيعته – محدودٌ وهشٌّ.
الحقّ لا يسقط بسقوط رجاله
الأخطر أنّنا حين نضع الإنسان في مرتبةٍ فوق حجمه، نحصر القيم في إسمه، فإذا اهتزَّ هو ظننَّا أنّ الحقَّ نفسه قد اهتزَّ معه. نربط العدل بشخصه، والاستقامة بسلوكه، والنَّجاح بوجوده. فإذا أخطأ، بدأ البعض يشكُّ في كلِّ ما كان يمثّله. لكنّ القيم لا ينبغي أن تكون رهينة أفرادٍ. قد يخطئ من يتكلّم بالحقّ، لكنّ ذلك لا يُلغي الحقّ نفسه. المشكلة أنّنا أحيانًا نختصر المبادئ في أشخاصٍ، فنفقد القدرة على التّمييز بين الفكرة وصاحبها.
وتزداد الصّورة تعقيدًا عندما نستمرّ في الدّفاع عنه رغم وضوح أخطائه. نرى الخطأ ونبحث له عن أعذارٍ، ونرفض أيّ نقدٍ وكأنّه اعتداءٌ شخصيٌّ. هنا يتحوّل الإعجاب الى تبعيّةٍ، ويصبح الولاء للشّخص أقوى من الالتزام بالمبدأ. في هذه اللّحظة لا نكون أوفياء للقيم، بل للصّورة الّتي صنعناها بأنفسنا.
احترامٌ بلا تقديس
ليس المطلوب أن نُسقط أبطالنا عند أوّل عثرة، ولا أن نحامي عنهم مهما فعلوا. المطلوب شيءٌ أبسط وأكثر نضجًا: أن نحترم بدون أن نُقدّس، وأن نقدّر بدون أن نؤلّه. أن نسمح للإنسان أن يكون إنسانًا، وأن نحافظ في الوقت نفسه على القيم مستقلَّةً عنه. فربّما يبدأ النّضج الحقيقيُّ عندما نفهم أنّ القوّة ليست في العصمة، بل في الصّدق، وأنّ القيم تبقى حتّى لو تعثّر من يمثِّلها.


