أسودُ "تيك توك" الجائعة

زمانُنا هو زمنُ العجائبِ! زمنٌ باتت فيه "الأسودُ" مطلبًا، والإنحطاطُ الأخلاقيُّ شهرةً، وضياعُ الوقتِ مكسبًا. زمنٌ لم يعدْ فيه العلماءُ والأدباءُ والفنّانون نجومَ المجتمعِ اللامعةِ، بل نخبة من المُهرّجين يُطلَقُ عليهم لقبُ "صُنّاعِ المحتوى". حينَ يُستبدلُ العلمُ والرُقيُّ بالتفاهةِ والسُخفِ وحينَ لا تجدُ القيمَ الأخلاقيةَ مكانًا وسطَ فوضى التّهريجِ والتهكّمِ فاعلمْ أنّك في زمنِ العجائبِ.

مسنّونَ وشبابٌ، ذكورٌ وإناثٌ يمضون أكثرَ من ثماني ساعاتٍ يوميًّا على تطبيقِ "تيك توك" في جولاتٍ من التحدي هاتفين بانفعالٍ: "كبسوا يا شباب كبسوا." لا بدّ أنك تتساءلُ عن معنى هذه العبارة. إنّها تشبهُ عبارةً مألوفةً جدًّا بالنسبة لنا وهي عبارةُ "حسنة يا مُحسنين" وهذا تمامًا ما يُعرفُ بالتسوّلِ الإلكترونيِّ. في جولاتِ التحدّي هذه يتنافسُ إثنان من "صنّاع المحتوى" في بثٍّ مباشرٍ والفائزُ بينَهما هو الذي يحصدُ العددَ الأكبرَ من النقاطِ. أمّا طريقةُ ربحِ النقاطِ فهي من خلال "التكبيس" الذي بدورِه يزيدُ من إنتشارِ البثِّ وازديادِ عددِ المتابعين. أثناءَ البثِّ يقومُ كلا المتنافسين بحثّ "الدّاعمين" على إرسالِ هدايا قيمتُها مبالغٌ ماليةٌ قد تصلُ إلى حوالي 400 دولارًا أمريكيًا وهي قيمةُ الهديةِ الأغلى ثمنًا: "الأسدُ".

إلى هنا قد تظنّ أنها لعبةٌ بريئةٌ لكنّها للأسف ليست كذلك، فكسبُ المالِ له شروطُه إذ لا بدّ من إظهارِ بعض المفاتنِ الجسديةِ وإضافةِ بعضِ التعديلاتِ على الطّبقاتِ الصوتيةِ ومخاطبة الداعمين بلهجتهم لإثارة إعجابهم وتحفيزِهم على إرسالِ الأسودِ. ما هو مصيرُ الخاسرِ في هذه المنافسةِ؟ ببساطةٍ شديدةٍ مصيرُه هو الذلُّ والإهانةُ. يبدو أن الداعمين يستمتعون بإذلالِ الخاسرينَ من خلالِ حثِّ الفائزين على إطلاقِ أحكامٍ قاسيةٍ عليهم. ما رأيُك مثلًا بفتاةٍ تستحمُّ في البيضِ والقهوةِ؟ رجلٌ يحلقُ شعرَ رأسِه وحواجبِه أو ينبحُ كالكلبِ أمامَ الجميعِ أو يفرغُ أكياسَ الزبالةِ على رأسِه؟ الأمرُ لا يتوقفُ عندَ هذا الحدِّ بل قد يُطلبُ من الخاسرِ شُربَ ماءِ الجافيلِ والإحتضار أمامَ آلافِ المتابعين. كل هذا يحصلُ لإرضاءِ الداعم،ِ من جهةٍ وحصولِ الفائزِ على بعضِ الأسودِ الجائعةِ للموتِ من جهةٍ أخرى.

يصفُ بطرسُ الرسولُ الشيطانَ بوحيٍ من اللهِ بالأسدِ الزائرِ الذي يجولُ ملتمسًا من يبتلعه هو (1 بط 5: 8). ويقول الرّب يسوع أنه السّارق الذي يسرقُ ويذبحُ ويُهلك (يو 10: 10). أليس القتلُ والسرقةُ هو تمامًا ما يحصلُ على هذه المنصّةِ اللّعينةِ؟ أليسَ أطفالنُا غنيمةً لهذا الأسدِ "القتّالِ منذُ البدءِ"؟ ذاك الذي يستخدمُ أجراه: تيك توك "إنفلونسرز" ليستدرجوا أطفالاً ويغتصبوهم ويطلبون من فتياتٍ في مقتبلِ العمرِ إرسالَ صورٍ لأجسادهن في عُريٍ تامّ وابتزازهن فيما بعد... مؤثرون فعلًا، ونِعمَ التأثير!

لم يخلقِ اللهُ الإنسانَ للهوانِ والمذلّةِ بل خلقه على صورتِه ومثالِه وأعطاه كرامةً ليعكسَ مجدَه. عندما يقبلُ المشتركُ في جولاتِ التحدّي تلك أن ينفّذَ الأحكامَ المؤذيةَ في نفسِه فهو يتشبّهُ بعبدةِ الأوثانِ الذين كانوا يقومون بمثلِ هذه الممارساتِ في دياناتِهم الباطلةِ (1 مل 18: 24-29).

حانَ الوقتُ لدقّ ناقوسِ الخطرِ، لأنَ الأسودَ لم تعدْ في الغابةِ وفريستها لم تعدْ مجرّدَ فأرٍ كما روتْ لنا أمي ونحنُ صغارٌ بل ها هي متسلّلةً إلينا متخفيةً بلعبةٍ لتهدرَ وقتَنا، تمزّقَ عائلاتَنا وتنهشَ لحمَ أطفالِنا. فهلْ من يُسرعْ إلى نجدةِ نفسِه من تداعياتِ هذا الوباءِ الخطيرِ؟