من التّصرّفات النّفسيّة الشّائعة، ما نُصادفه غالبًا لدى الكثيرين من الحقودين والأشرار، حين يغلب الشرّ على قلوبهم ويُسقِطون شرورهم على النّاس معتبرين أنّ الآخر هو الشّرير وهو من يجب أن يُنتقَم منه حكمًا. هذا التّصرّف النّفسيّ المريض موجود في الإنسان منذ الخليقة وعبّر عنه المتنبّي بهذه الأبيات الوجيزة والمُعبّرة قائلًا:

إذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَتْ ظُنونُهُ،

وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ.

يُعاتِبُ قَولاً قَدْ جَناهُ بِفِعلِهِ،

وَيَجني عَلى مَن لا يُجْني عَليهِ بِذَمِّ.

قصد المتنبّي أن يقول في هذه الأبيات أنّ الشّخص الّذي يرتكب الأخطاء ويسيء التّصرّف، تنقلب نظرته للآخرين وتصبح سلبيّة. تبدأ الظّنون السيّئة تُسيطر عليه، فيرى كلّ من حوله على أنّهم يُضمرون الشرّ له، ويُفسّر أفعالهم على أنّها موجهة ضدّه. هذا كلّه نابع من شعوره بالذّنب. فهو يتوقّع من الآخرين أن يعاملوه تمامّا كسوء فعله. فيصبّ على النّاس أعماله القبيحة شرّا وانتقامًا و تشفّيًا كمن لا يرتوي إلّا من خلال تدمير سمعة الآخر.

أصاب المتنبّي في شعره تمامًا كما لو أنّه عالم نفسٍ دقيقٍ ومتفوّقٍ في توصيف داء الإسقاط، حيث لشخص السيّئ الفعل يُلقي باللوم على الآخرين لما ارتكبه هو من أخطاء. فهو يلوم الكلام أو الأفعال الّتي تظهر من الآخرين، مهما كانت. ويضعها في خانة العداء الشّخصيّ والسّلبيّات، مع أنّها في الحقيقة مجرّد ردّ فعلٍ طبيعيٍّ لسوء تصرّفه هو.

في النّهاية ، هذا الانسان الحقود ، يظلم من لا ذنب له باللوم والذمّ والإساءة، فيُحمّل الآخر مسؤوليّة أفعاله السيّئة.

تُذَكّرني أبيات المتنبي هذه بالمثل اللبناني الشّائع: “الحرامي يخاف على بيته من السّرقة”. وهذا سلوك شائعٌ وحقيقيّ. فالّذي يُلطِّخ سمعة النّاس وشرفهم بالأكاذيب والشّائعات الوضيعة، يتّهم النّاس، أنّهم يحكون عنه بالسّوء من دون دليل! 

كنت في الماضي لا أفهم معنى هذا المثل حتّى صادفت أناسًا يُمعِنون في أذيّة الآخرين، خاصّة زملائهم في مؤسّسات تربويّة من المفترض أن تكون قدوةً في المحبّة والأخلاق والإحترام. هؤلاء يصبّون التّهم المُغرِضة على البريء، عاكسين عليه أعمالهم السيّئة، وهو بريء مِمّا يتهمونه به!

النّصيحة الأساسيّة في مواجهة هؤلاء الأثمة نأخذها من حكمة سليمان القائلة:

“لاَ تَدْخُلْ فِي سَبِيلِ الأَشْرَارِ، وَلاَ تَسِرْ فِي طَرِيقِ الأَثَمَةِ.

تَنَكَّبْ عَنْهُ. لاَ تَمُرَّ بِهِ. حِدْ عَنْهُ وَاعْبُرْ،

لأَنَّهُمْ لاَ يَنَامُونَ إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا سُوءًا، وَيُنْزَعُ نَوْمُهُمْ إِنْ لَمْ يُسْقِطُوا أَحَدًا.

لأَنَّهُمْ يَطْعَمُونَ خُبْزَ الشَّرِّ، وَيَشْرَبُونَ خَمْرَ الظُّلْمِ.”

ختامًا أود أن أذكر مثلًا نتداوله في بلدنا وقرانا يقول: “صفّ النيّة ونام في البريّة.” والمقصود به أنّ من كانت نواياه صافيةً ونقيّةً يعيش بسلام. ينصح سليمان الحكيم “فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ.” فالحياة الهنيّة تبدأ من القلب النّقيّ والأفكار الطيّبة الّتي تنبذ الشّرور وتُسالم النّاس. هذا مفتاح الانتصار على الشرّ.

شاركها.
Exit mobile version