المسؤوليّة الفرديّة ومفاهيم الحريّة والعدالة والأخلاق

"اُنْظُرْ. أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ الْيَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً: 
الْبَرَكَةُ إِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا الْيَوْمَ. وَاللَّعْنَةُ إِذَا لَمْ تَسْمَعُوا لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمْ" (تثنية 11: 26-28)
 
في اليوم الأوّل من ولادة مجلّة رسالة الكلمة، وبينما كنت عائدًا من توزيعها على بعض الأصدقاء، وقفتُ على إشارة السّير في "الجديدة"، إلاّ أنّ سيّارة "جيب" مسرعة لم يرَ سائقها الإشارة صدمتني وسبّبت لي ضررًا جسيمًا سيُرافقني طوال عمري. وبينما كنتُ أعاني الألم وبعض المارّة والشّرطيّ يحاولون إسعافي، كان السّائق مستعجلاً ليتابع مسيره من دون أن يتحمّل مسؤوليّة الحادث أو إصابتي. ونرى مثل هذا الرّجل يوميًّا، إذ يكثر عدد الّذين لا يتحمّلون مسؤوليّة ما يفعلونه أو يختارونه. وبدأت البحث في موضوع المسوؤليّة وارتباطها بمفاهيم الحريّة والعدالة والأخلاق، ورأيت أنّ النّاموس الإلهيّ قد وضع على كاهل الإنسان بعامّة والمؤمن بخاصّة مسؤوليّة كبيرة في هذه الدّوائر الثّلاث، إذ خلق الله الإنسان كائنًا مسؤولاً.

ارتباط المسؤوليّة بالحريّة
الله خلق الإنسان على صورته ومثاله حرًّا ومسؤولاً. وبما أنّه حرّ فهو مسؤول عن خياراته وأعماله بين النّاس وتجاه من هُم أعلى منه. لذلك، يُطلَب إلى الإنسان الخضوع للسّلطات أو للرّؤساء في العمل، وتقديم حساب عن الأعمال الموكل بها. إن لم يؤمن الإنسان بالحريّة، لا يصبح مسؤولاً عن أعماله، وبالتّالي تصبح دينونة الله ومحاسبته ظُلمًا وجورًا، لأنّه لا يجوز تأديب مَن ليس حرًّا في خياراته. وقول الكتاب المقدّس إنّ مَن يكسر الوصايا يستحقّ العقاب، ومَن يحفظها يستحقّ البركات، يعزّز موضوع مسؤوليّة الإنسان. يُخفِق الفكر الدّينيّ القَدَريّ أو الجبريّ عندما يتمادى في تعظيم شأن ما يحسبه خطّة فائقة مُلزِمَة تُفرَض على الإنسان، والّذي يعجز عن تغيير مسارها.

ويُعظّم بعض القدريّون العلميّون من تسلّط التّركيب الجينيّ والعوامل الوراثيّة وسلطة التّربية والمجتمع والطبع في تقرير خيارات الأفراد. تُخطئ هذه الجبريّة إذ تنسى أنّ الإنسان كائن واعٍ وحرّ ومسؤول أمام الله والضّمير والآخرين، ومعظم ما يحصل معه في حياته هو نتاج خياراته الحرّة. فإنْ عَمِل الخير تبارَك، وإنْ عَمِل الشّرّ دفع الثّمن. ولا يُمكن أن يعمل الخير ويُقاصَص من الرّبّ، ولا يُمكن أن يعمل الشّرّ ولا يدفع الثّمن. هذا ليس فقط ضدّ المنطق، بل هو ضدّ منطق وجود إله عادل في الكون. العجيب أنّ الإنسان لا يُحبّ أن تُسلب حريّته، ولكنّه في الوقت ذاته يُريد ألاّ يتحمّل مسؤوليّته عن خياراته الخاطئة. وفي الوقت الّذي يتوقّع المكافأة عن الخير الّذي يعمله، لا يقبل أن يُعاقب عن شروره في هذه الحياة، لكنّ الواقع يقول إنّ ما يعمله الإنسان يُجازى عليه دومًا، أكان خيرًا أم شرًّا.

ارتباط المسؤوليّة بالعدالة
ويرتبط مفهوم المسؤوليّة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العدالة. والناس يرتبطون ببعضهم الآخر من خلال الاتّفاقات والوعود والعقود والعهود. وهذا الأمر يتمّ بين متساويين أو بين أكبر وأصغر، أو بين أقوى وأضعف. وإن لم يحفظ فريق ما التزاماته تجاه الآخر، يستدعي تدخّل العدالة لتحديد ما أخفق فيه لتحصيله تجاه المتُضرّر، أو حتّى تجاه الحقّ بالمُطلق. أمّا تدخّل العدالة بين الفريقين فهو لإعادة تحقيق الحقّ ولترميم مفهوم المسؤوليّة بين النّاس. وكلّ تهاون في تطبيق العدالة عند كسر الاتّفاقات بين النّاس يُبيح عدم المسؤوليّة، ويضرب كلّ معنى للعدالة الّتي تُحدّد المسؤوليّة وتطلب العقاب للمُذنب، وتُقِرّ المُكافأة لِمَن تحمّل مسؤوليّاته كاملة. وللّذين ينزعجون من كلمة: عقاب، ويُريدون لغة أكثر إيجابيّة في الحياة، فليس لهم أن يطلبوا المكافأة عندما يُحسِنون التّصرّف. فالعدالة لا تقدر أن تُكافئ عن الخير إن لم تقدر على أن تُجازي عن الشّرّ. والغريب أنّ هؤلاء المعترضين يتوقّعون لأنفسهم المكافآت للخير الّذي يعملونه، ويطلبون تطبيق العدالة لِمَن اعتدى عليهم أو أخفق في تتميم التزاماته معهم. وتصير العدالة مع هؤلاء أكثر "شخصانيّة" يُطالبون بها عندما يتضرّرون، ولا يُطالبون بها عندما يتضرّر غيرهم. يسمو مَن يعرف قيمة العدالة ويقبل بها حتّى عندما يكون هو المُذنِب. ويكون أكثر غبطة عندما يكافأ على حُسن تصرّفه. هذا يحقّ له أن يُمارس العدالة في أمور الآخرين، لأنّه يتحمّل المسؤوليّة في حياته ويقبل أحكام العدالة على قراراته وأعماله مهما كانت. المسيحيّ الّذي يفهم ارتباط المسؤوليّة مع العدالة يُقارب صورة الله الأصليّة الّتي وضعها في الإنسان. وفهم ارتباط المسؤوليّة بالعدالة يُساعد على خلق مجتمع آمن وعلاقات سليمة تحمي حقوق كلّ فرد وكلّ مجموعة فيه.

ارتباط المسؤوليّة بالإخلاق 
ويتخطّى مفهوم المسؤوليّة تخم العدالة ليُلامس تخم الأخلاق المزروعة في الضّمير الإنسانيّ. وهكذا نتكلّم على المسؤوليّة الأخلاقيّة للإنسان تجاه الله والنّاس. إن لم يكن هناك مسؤوليّة أخلاقيّة لما كانت هناك خطيّة. فعدم تحمّل المسؤوليّة تجاه الله يُسبّب ارتكاب الخطيّة أمامه وضدّه. وكلّ خطيّة هي ضدّ الله. سطّر لنا الكتاب المقدّس في أوائل صفحاته قصّة يوسف الّذي وقع في تجربة عظيمة في بيت فوطيفار، فأبى أن يزني مع أمرأة سيّده وقال: "فكيفَ أصنعُ هذا الشّرَّ العظيمَ وأُخطئ إلى الله؟" (تكوين 39: 9). نرى أنّ يوسف قد تحمّل المسؤوليّة الأخلاقيّة تجاه سيّده السّماويّ، واعتبر أنّ وقوعه في الخطيّة هو شرّ أخلاقيّ لا يجوز له أن يرتكبه. مَن ارتبطت عنده الأخلاق بالمسؤوليّة قويت قدرته على الصّمود تجاه التّجارب، وحَفظ نفسه من الخطايا. إنّ للتّهديد الإلهيّ بالّلعنة في تثنية 11: 26-28 خمسة أهداف: (1) ردع الإنسان عن الخطيّة، (2) وتقوية روح المسؤوليّة الأخلاقيّة فيه، (3) وتأديب المُخطئ؛ (4) وترميم العدالة والبِرّ، (5) وإنذار الآخرين لكي لا يُخطئوا. يقول الكتاب المقدّس: "البِرّ يرفع شأن الأمّة وعار الشّعوب الخطيّة" (أمثال 14: 34). تحمّل المسؤوليّة الأخلاقيّة يرفع من حياة البشر ويجعلهم أقرب إلى الكمال.

الخاتمة
من الضّروريّ تعليم المسؤوليّة وارتباطها بالحريّة والعدالة والأخلاق لكلّ إنسان من صغره، ليكون مسؤولاً في عمله وفي بيته ومجتمعه عندما يكبر. أمّا مَن لا يتعلّم المسؤوليّة في صغره ويسلك فيها في حياته فلن يتبرّر مَن تحمّلها عندما يكبر، فهناك حتميّة المساءلة والعدالة والمجازاة في الحياة. إنّ عدم وعي الإنسان لحدود حريّته ومسؤوليّاته لا توقف مفاعيل القانون في الحياة. فالإنسان الحرّ هو دومًا مسؤول (Responsible) والإنسان المسؤول هو دومًا تحت المحاسبة (Accountable). مَن لا يرضى أن يُحرَم من حريّته، لا يجب أن يستعفي من تحمّل المسؤوليّة والمساءلة والمحاسبة. ومَن أراد أن يكون حرًّا في اتّخاذ قراراته يجب أن يقبل كلّ نتائجها. يذهب الكتاب المقدّس أبعد من هذا الحدّ إذ يقول إنّ الله يدين النّاس بحسب سرائرهم على كلّ أفكارهم وخفايا قلوبهم (رومية 2: 16؛ 1كورنثوس 4: 4-5). وإلى أن يتحمّل الإنسان مسؤوليّته ويعترف بأخطائه وخطاياه ويتوب عنها، لن يتمتّع بالغفران وبالبداية الجديدة (أعمال 3: 19). لا يُعيب الإنسان المسؤول أن يطلب عون نعمة الله وحكمته ليواجه الحياة من دون سقطات، ولينعم بالحياة المباركة الّتي يستحقّها.

الكلمات الدلالية