تعتبر شهادة الشّهود في المحاكم احدى أهمّ وسائل الإثبات، وهي الأقدم والأكثر استخدامًا عندما لا تتوفّر مستنداتٌ خطيّةٌ أو أدلّةٌ ماديّة. ويمكن تعريف هذه الشّهادة أو البيّنة الشّخصية بأنّها إدلاء الأشخاص الّذين شهدوا واقعةً معيّنةً أو لديهم علمٌ بها أمام المحكمة، بهدف إثبات تلك الواقعة أو نفيها في دعوى غير متعلّقة بهم شخصيًّا. ومن جهةٍ أخرى لا يقتصر دور الشّهود أمام المحاكم، إنّما يعتبر حضورهم وتوقيعهم على العقود والتصرّفات في المعاملات الّتي يجري توثيقها وتصديقها أمام الكاتب بالعدل، ضمانةً قانونيّةً لصحّتها وجزءًا أساسيًّا من إجراءات المصادقة عليها.
شروط الشّاهد ونصاب الشّهادة
لكي تكون الشّهادة صحيحة، على الشّاهد أن يكون متمتّعًا بكامل أهليّته القانونيّة وألّا تجمع مصلحةٌ بين الشّاهد وأحد الخصوم وغير خاضع لسرّ الوظيفة أو المهنة. لكن ما عدد الشّهود الواجب توفّرهم لتكون الشّهادة قويّة؟ يمكن الإعتداد بشاهدٍ واحدٍ فقط أمام المحكمة بعد أن يقسم اليمين القانونيّة، إلّا إذا أوجب القانون الإستعانة بشاهدين أو أكثر.
الأساس التّاريخيّ لقاعدة تعدّد الشّهود
إذا عدنا إلى شريعة حمورابي، وهي أقدم شريعةٍ قانونيّةٍ متكاملة، وقد صيغت حوالى العام 1750 قبل الميلاد، غير أنّها لم تحدّد رقمًا ثابتًا وموحّدًا للشّهود. وعندما جاءت شريعة موسى بعد حوالى قرنين أُخِذَ بقاعدة الشّاهدين أو الثّلاثة لتثبيت أيّ تهمةٍ أو مسألة (تث 19: 15). أخذ العهد الجديد بهذه القاعدة أيضًا لضمان العدالة والمصداقيّة (مت 18: 16). وهكذا ظلّت شهادة الشّهود عنصرًا أساسيًّا في نظام الإثبات الرّومانيّ مع تفضيل تعدُّد الشّهود (شخصين أو ثلاثة) لضمان صحّة الإثبات. وفي لبنان أخذ نظام الكتّاب بالعدل بنظام الشّاهدين البالغين والمتمتّعين بحقوقهما المدنيّة لاكتساب المعاملات قوّتها الثّبوتيّة والرّسميّة.
شهادة الزّور
بالنّظر لأهميّة شهادة الشّهود في الدّعاوى القضائيّة خصوصًا الجزائيّة منها والّتي قد تؤدّي في حال الإدلاء بها زورًا، أو إنكار الحقيقة و تحريفها إلى إدانة البريء أو تبرئة الجاني، فقد عاقبت القوانين على شهادة الزّور منذ القديم مرورًا بالعهد القديم حتّى يومنا هذا. وفي قانون العقوبات اللبنانيّ، يعتبر الإدلاء بشهادة الزّور، مع علم الشّاهد بها، جنحة أو جناية، تتراوح عقوبتها في الحالة الأولى من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وفي الحالة الثّانية عشر سنوات مع الأشغال الشّاقة.
حماية حقوق النّاس ونزاهة القضاء
واضحٌ أنّ المجتمع الإنسانيّ ومنذ قديم الأيّام يحاول حماية النّاس من شهادة الزّور عبر تشريعاتٍ قانونيّةٍ تتوافق مع الوصيّة التّاسعة من الوصايا العشر القائلة “لا تشهد على قريبك شهادة زور”. الهدف من هذه الوصيّة ليس فقط حماية النّاس من الإفتراء وحسب بل أيضًا حماية معايير الكفاءة والنّزاهة عند اختيار القضاة بهدف حماية المتقاضين من شهادة الزّور وصونًا لنزاهة القضاء (سفر الخروج 18).


