تأخذنا انشغالات الحياة ونغفل عن حقيقةٍ مرعبة: أنّنا “عابرون” ونسكن دارًا مؤقّتة. من يعِ هذه الحقيقة يعصفْ به قلقٌ وجوديٌّ لا يعود يفارقه. ورد في الإنجيل المقدّس سؤالٌ بالغ الأهميّة ذُكِرَ مرارًا، ولا يزال صداه يتردّد عبر الأجيال: “مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟”

بين صِدق الباحث وجدَل المتحدّي

لقد طرح هذا السّؤال رجلان مختلفان. كلاهما ذهب للمسيح، لكن بدوافع متباينة. الأوّل كان شابًّا غنيًّا ورئيسًا، يمتلك الثّروة والمنصب والجاه، لكنّه شعر بفقرٍ داخليّ وفراغٍ لا تملؤه مقتنياته الفانية، فجاء بصدقٍ يبحث عن الخلود. أمّا الثّاني فكان ناموسيًّا، معلّمًا للشّريعة، لم يسأل ليتعلّم، بل ليوقع المسيح في فخّ الجدال.

وبين الصّدق والجدل، يبقى سؤالهما يلاحقنا إلى اليوم: “مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟” الإنسان الواعي يخشى أن تتوقّف دقّات قلبه فجأةً بدون أن يضمن أبديّته؟ كان الأتقياء أيّام المسيح يُصلّون قبل نومهم، “يا ربّ لا تمحُ اسمي من سفر الحياة”. من يقرأ العهد الجديد، يستوقفه قول يسوع: “مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ”. يا لخطورة هذا الإعلان؟ نحن نخاف أن تسقط أسماؤنا سهوًا من السّجلّات الرّسميّة الّتي تضمن حقوقنا كمواطنين، أفلا يُخيفنا ألّا تكون اسماؤنا مسجّلةً في “سفر الحياة”؟

عربون الخلود… هبة لا تُشترى

حسنًا!”مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟” هل من جوابٍ عمليّ مُفيدٍ لهذا السّؤال الجوهريّ؟ نعم يوجد جواب عند يسوع لا سواه. هو وَعَدَ: “الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ”. فالإيمان بالمسيح هو الشّرط لنوال الحياة الأبديّة، وهو إيمان لا يقتصر على مجرّد تصديقٍ ذهنيّ باردٍ لحقيقةٍ روحيّة، بل هو “تسليم الحياة التّام” ليسوع.

إذًا، نوال الحياة الأبديّة يتطلّب أمرًا واحدًا: قبولها من يسوع بالإيمان به. أمّا الشّاب الغنيّ فقد رفض تسليم حياته بالكامل للمسيح الّذي طلب منه أن يترك كلّ شيءٍ ويتبعه، والنّاموسيّ أدار ظهره ومضى لرفضه حصريّة نوال الحياة الأبديّة بالإيمان بيسوع من دون أعمال النّاموس.

إلّا أّن العهد الجديد يذكر لنا سجان مدينة فيلبي؛ فعندما تزلزلت الأرض وتفتّحت أبواب السّجن، اهتزّت أساسات حياته وخشي مواجهة الموت، فصرخ لبولس ورفيقه سيلا اللذين كانا يترنّمان بمراحم الرّبّ في سجنهما، وسأل: “يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟” فما كان من بولس إلّا أن أجابه: “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ“. وهذا ما حدث فعلاً له ولعائلته.

سؤال لا يمكنك أن تهرب منه

من يسمع هذا السّؤال لا ينساه أبدًا، بل يحاصره ويلاحقه صداه: “مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟” الإجابةُ واضحةٌ ومعروضةٌ أمامك: “آمن بيسوع تكن لك الحياة الأبدية”. وهذا ما أكّده يسوع بإعلانه الصّريح: “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”. المسيح وحده يضمن الحياة الأبديّة. لم يأتِ في الّتاريخ من استطاع أن يهبها سواه. فهو الّذي غلب الموت بقيامته وقال لمن يؤمن به: “إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ”. فمن أراد الحياة الأبديّة، عليه أن يقبلها من يسوع.

شاركها.
Exit mobile version