مفعول الغفران

القلب المنكسر
Photo by Kelly Sikkema on Unsplash

إنّ ضرورة تصحيح الخطأ هو شعور قويّ يجتاح نفس الإنسان فيقلق راحته، ويلاحق تفكيره، ويدفعه إلى العمل بغية الوصول إلى السّلام النّفسيّ والرّضى الذّاتيّ. عندما يرتكب شخص ما خطأ في العمل أو بحقّ إنسان آخر، يشعر مباشرة برغبة في تصحيحه. لكن، ماذا لو كان ما قام به جسيمًا؟ عندها، يصبح التّصحيح أمرًا شبه مستحيل، ويتحوّل إلى رغبة في أن ينسى ما حصل أو أن يسامَح على ما فعل. المسامحة هي العمل الّذي يقوم به الطّرف الآخر، وإذا اعتبرنا الخطأ بمثابة دَين تكون المسامحة التّوقّف عن المطالبة به. يعبّر الإنسان عن حاجته إلى السّماح عندما يعرف حقيقةً في داخله بأنّه أخطأ وأنّه يستحقّ المحاسبة، ويعود للطّرف الثّاني أن يَمنَّ عليه بالمسامحة لإعادة العلاقة إلى ما كانت عليه. في الواقع، حتّى لو سامح الواحد الآخر، تبقى الآثار في الذّاكرة كنَدْبة جرح شاهدة على ما جرى.

والغفران يُقابل المسامحة في العلاقة بين الله والإنسان، إلاّ أنّه يمتاز عنها بالكثير. طاعة الإنسان تفرض عليه عدم ارتكاب الخطيّة، أمّا طبيعته النّاقصة فتجعله يسقط فيطلب الغفران. إنّه عمل يُظهر حالة الإنسان المنكسرة، وروحه التّائبة وإدراكه لخطيّته، وهو يعكس رحمة الله ومحبّته ورأفته، إذ يريد أن يغفر للجميع، وهو لا ينسى ليعود ويطالب لاحقًا، بل يُعفي بشكل كامل ونهائيّ، فيطرح خطايانا في أعماق البحار ولا يعود يذكرها فيما بعد. يرتبط غفران الله بتوبة الإنسان. فالله يغفر لجميع الّذين يأتون إليه تائبين، لكن إن لم يكن هناك توبة حقيقيّة نابعة من الاعتراف بالخطأ والتّصميم على عدم العودة إليه، لا يكون للغفران مفعول في حياتنا. يعلّمنا الرّبّ يسوع في الصّلاة الرّبّانيّة أنّ الغفران هو واجب نقوم به. وهو عمل دائم ومستمرّ، وبالتّالي على المسيحيّ أن يتحلّى بروح المسامحة نظير إلهه.

حصول الإنسان على غفران الخطايا يُحوّله من حالة الحزن والبؤس إلى حالة الرّاحة والسّلام والفرح الّذي لا يعبّر عنه، لأنّه يدرك قيمة ما ناله. نرى مفعول الغفران في حياة الإنسان في قصّة المرأة الخاطئة الّتي قابلت المسيح في بيت سمعان الفرّيسيّ. لقد دخلت هذه المرأة وسجدت عند قدَمي يسوع، فغسلتهما بدموعها ومسحتهما بشعرها وقبّلتهما وسكبت الطّيب عليهما. امتعض سمعان في نفسه لأنّها خاطئة، أمّا يسوع، فأعطى مثلاً عن رَجُلَين مديونَين واحد بخمسين وآخر بخمسمئة، لم يكن لهما ما يوفيان به فسامحهما الدّائن. وقد أراد من خلاله تعليمنا أنّ مَن يُسامَح بالكثير يُحبّ أكثر. وهذه كانت حال المرأة الخاطئة الّتي عرفت حقيقة حياتها واختبرت ثقل خطاياها لزمن طويل. وعندما غفر الله لها أحسّت بهذا الدَّين الكبير ينزل عن كاهليها، ولمست محبّة الله الّتي حضنتها، فملأ السّلام قلبها. لم يفهم سمعان ما قامت به المرأة لأنّه لم يشعر يومًا بالحاجة إلى الغفران ولم يعرف مفعوله في حياة الإنسان. أمّا هي فقد جاء عملها تعبيرًا عفويًّا عن شكرٍ وامتنان لله.

هل تشعر بالحاجة إلى الغفران؟ أو هل تشعر بثقل خطاياك وتريد أن تخلص منها؟ هل تؤمن بأنّ الله يحبّك ويريد أن يغفر لك؟ هل تريد أن تنال السّلام الّذي حَصَلَت عليه تلك المرأة؟ تعال إلى الرّبّ يسوع بقلب تائب وإيمان صادق، وتأكّد من أنّك ستنال مجّانًا ما لا يمكنك شراؤه بأغلى الأثمان.

الكلمات الدلالية