يحتفل العالم المسيحيّ بقيامة المسيح. أمّا قيامته فليست حدثًا تاريخيًّا فحسب، بل هي حقيقةٌ مركزيّةٌ يُبنى عليها الإيمان المسيحيّ. ويذكر العهد الجديد أنّ المسيح “قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ”. وبهذه الكلمات نرى أنّ الموت لم يعد نهايةً مأساويّةً حتميّة، ففي المسيح القائم من الأموات يوجد عبورٌ إلى حياةٍ أبديّةٍ معه. وكما دخل الموت إلى جميع النّاس بخطيئة آدم، هكذا صارت قيامة المسيح “هبةً” تمنح تبرير الحياة لكلّ من يتّحد به.

سر “الباكورة”: العيّنة الّتي تبارك المحصول

ولكي نفهم معنى “الباكورة”، علينا العودة إلى جذورها في شريعة العهد القديم. كان الكاهن قديمًا يأتي بأوّل حزمةٍ من الحصاد ويقدّمها للربّ كعيّنةٍ مقدّسة تُشير إلى أنّ كامل المحصول يعود للخالق، طالبًا منه أن يبارك الكلّ.

هكذا المسيح، بقيامته، صار هو هذه “الحزمة المرفوعة” أمام الله. فقيامته من بين الأموات هي “الدفعة الأولى” أو العيّنة الافتتاحيّة لقيامةٍ عامّةٍ ستشمل الجميع لاحقًا. وبالتّالي، فالمسيح ليس “الأوّل” في التّرتيب الّزمنيّ لقيامته فقط، بل هو “البكر” الّذي فيه ومعه يضمن جميع المؤمنين به قيامتهم. وهكذا تكون قيامة المسيح الضّمانة المؤكِّدة لقيامتنا. وقد وعد يسوع: “إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.”

دور الرّوح القدس في القيامة

قد نسأل: كيف حصلت قيامة يسوع؟ يقول العهد الجديد أنّ الرّوح القدس هو “المحرّك الإلهيّ” الّذي أقام يسوع والّذي سيُحيي الموتى المؤمنين ذات يوم: “وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ”.

فالرّوح القدس الّذي عمِلَ في أحشاء مريم لتكوين جسد يسوع، هو نفسه الّذي استمرّ يعمل معه حتّى أقامه من الأموات. هذا الرّوح الإلهيّ عينه الّذي يسكن في المؤمن لحظة توبته وولادته الثّانية، هو من سيُقيم جسده لحظة القيامة المجيدة. نعم هي قيامة لأجساد المؤمنين وليس فقط لأرواحهم. فكما قام المسيح بجسده هكذا سيقوم من يولد بالرّوح القدس بجسده. وهكذا يُتمّم الوعد الإلهيّ أنّ يسوع يكون “باكورة الرّاقدين”.

الخلاصة: رسالة للعالم

خلاصة الكلام، إنّ المسيح، بقيامته الّتي شهد عليها رسله والمئات ممّن ظهر لهم ورأوه قبل صعوده إلى السّماء، صار “باكورة الرّاقدين”. أمّا من أراد أن يكون ضمن حزمة الرّاقدين القائمين مع المسيح في يوم القيامة، فعليه أن يتّحد مع المسيح في حياته، حتّى عندما تأتي تلك اللحظة يكون له نصيبٌ مع المسيح. هذا مام قاله بولس: “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ.” المسيح يدعو الجميع: “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا.”

شاركها.
Exit mobile version