تضجّ منصّات التّواصل بصورٍ لقادة دولٍ متقدّمة يمارسون عفويّةً مطلقة؛ مستشارةٌ تتبضّع احتياجاتها بنفسها، رئيسٌ يستقلّ المترو، ووزيرٌ يمتطي درّاجته الهوائيّة نحو عمله. هذا المشهد يضعنا أمام تساؤلٍ ملحّ: أين نحن في شرقنا العربيّ من هذه الصّورة؟ وبينما نغرق في فخ “الألقاب الفاخرة” و”المظاهر البرّاقة”، تظلّ شعوبنا في توقٍ دائمٍ لترى تواضع القادة وتلمس فيهم القدوة الحقيقيّة.

وفي الوقت الّذي يلهث فيه الكثيرون لاقتناص “بريستيج” اللقب، يبرز السّؤال الجوهريّ: من يصنع الآخر؟ هل اللقب هو الّذي يمنح الشّخصيّة مقامها، أم أنّ حضور الشّخصيّة هو الّذي يمنح اللقب قيمته؟

إنّ القيمة لا تكمن في “العنوان العريض” للمهنيّ، سواء كان طبيبًا، مهندسًا، محاميًا، سياسيًّا، أو أكاديميًّا؛ بل في المهارة، والاتّزان النّفسيّ، والتّواضع الّذي يفرض الاحترام فرضًا ولا يستجديه.

لقد قدّم يسوع المسيح النّموذج الأسمى حين قال: “تعلّموا منّي لأنّي وديعٌ ومتواضعُ القلب.” فهو لم يطالب لنفسه بأيّ لقب ولم يسعَ لمنصات التّكريم، بل جعل من خدمته وقربه من آلام النّاس عنوانًا للوداعة، فانجذبت إليه الجموع بثقةٍ ومحبّةٍ عفويّة.

إنّ استخدام أصحاب الاختصاص لألقابهم على بطاقات التّعريف ليس خطأً بحدّ ذاته، وقد تفرضه مقتضيات العمل أو البروتوكول، لكنّه لا يضيف لصاحبه قيمةً إنسانيّةً ما لم يُقرَن بمضمونٍ سامٍ ومعدنٍ أصيل. فالصّناعة الحقيقيّة للمقام تكمن في الإنجاز والتّأثير الإيجابيّ الّذي يبني رصيدًا من الإحترام والمحبّة في قلوب النّاس. أمّا من يفتقد لهذا الرّصيد، فهو كمن يشيد صرحًا شاهقًا بلا أساس؛ تجمّله المظاهر ويهدّده الفراغ.

إنّ أصدق إعلانٍ لمقام القائد هو ذاك الّذي يمنحه النّاس له، لا ما يروّجه هو عن نفسه. فسمات التّواضع، والوداعة، والإخلاص، والخدمة المتفانية، أهمّ بكثير من الألقاب الفارغة الرنّانة الّتي يرفضها النّاس في دخيلة أنفسهم، حتّى وإن اصطنعوا الابتسام أمام أصحابها.

إن أردنا حقًّا فكّ الارتباط بين بريق المظهر وعظمة الأثر، فلا مفرّ من الاحتكام إلى القاعدة الذّهبيّة الّتي تقلب الموازين رأسًا على عقب؛ حيث يضعنا المسيح أمام جوهر العظمة بكلماتٍ خالدة: وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ يَكُنْ هكَذَا فِيكُمْ، بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا” (متى 20: 26).

شاركها.
Exit mobile version