ثيودور: عطيّة الله
“ثيودور”، ومعنى اسمه “عطيّة الله”، هو من آباء الكنيسة البارزين. وُلِدَ لعائلةٍ غنيّةٍ في أنطاكيا وعاش في مدينة موبسويستيا (أو مصّيصة) في إقليم كيليكية، جنوب تركيا الحاليّة. درس البلاغة والفلسفة تحت إشراف المعلّم الوثنيّ الشّهير ليبانيوس. في البداية انجذب إلى القانون والمحاماة، لكنّ تأثير يوحنّا الذّهبيّ الفم قاده إلى الخدمة المسيحيّة.
المعموديّة والإنعطافة الرّوحيّة
يُرجَّح أنّه نال المعموديّة نحو سنة 368 م بعد فترة من التردّد الرّوحيّ، وقد أسهم صديقه الذّهبيّ الفم في مساعدته على تجاوز هذا التردّد وحسم قراره. وفي سنة 369 م التحق الاثنان بمدرسة ديودوروس الطرسوسيّ في دير في أنطاكيا حيث عاشا في حياة نسكيّة وتكريس لدراسة الكتاب المقدّس بالمنهج الأنطاكيّ الرّافض للتّفسير الرّمزيّ لمدرسة الإسكندريّة.
إلّا أنّه بعد فترةٍ بردت حياة ثيودور الرّوحيّة وترك الحياة الرهبانيّة، وصار محاميًا، وقيل أنّه تعرّف إلى سيدةٍ يهوديّةٍ جميلةٍ تدعى “هِرموان” وأراد أن يتزوّجها، فتحطّمت نفسه تمامًا وغرق في اليأس.
الإرتداد والعودة
سارع يوحنّا الذّهبيّ الفم إلى مراسلة صديقه، فبعث إليه رسالتين يحثّه فيهما على الرّجوع إلى حياته الأولى من خلال توبةٍ صادقةٍ. وأوضح له أنّ يأسه من مراحم الله أشدّ مرارةً من سقوطه وكسره لنذر الرّهبنة، مبيّنًا له قوّة التّوبة وفاعليّتها، وفتح أمامه باب الرّجاء. وقد أثمرت هاتان الرّسالتان، فعاد ثيودور إلى الحياة الرهبانيّة. وقد رُسم أسقفًا في كنيسة أنطاكيا في عام 383 م. ثمّ أصبح أسقفًا للكنيسة في موبسويستيا نحو عام 392 م.
أمير المفسّرين وإرثه المكتوب
وقد اكتسب ثيودور عن حقّ لقب “أمير المفسّرين القدماء”. فقد عارض المنهج الرّمزيّ للتّفسير وقاومه. وأصرّ على الاجتهاد للوصول إلى فهمٍ شاملٍ للكلمة على أساس فهم التّصريفات النّحويّة للنّصّ ودراسة الخلفيّة التّاريخيّة له بهدف اكتشاف المعنى الّذي قصده الكاتب. كما أعطى عنايةً كبيرةً لدراسة النّصّ في سياقه المباشر وفي علاقته مع غيره من النّصوص الأخرى. ولقد أتاح له هذا الأسلوب في الدّراسة أن يصبح مفسّرًا مقتدرًا وعالِمًا لاهوتيًّا عظيمًا. وكتب ثيودور تفاسير لبعض أسفار الكتاب المقدّس كسفر التّكوين، والمزامير، وأيّوب، والأناجيل، وأعمال الرّسل، ورسائل الرّسول بولس مِثل رسالة كولوسي ورسائل تسالونيكي. للأسف، العديد منها وصل إلينا في أجزاءٍ أو ترجمات.
وقد كان له، هو والذّهبيّ الفم، تأثيرٌ إيجابيٌّ على تفسير الكتاب المقدّس في العصر الّذي عاشا فيه. كانت جهودهما ومؤلّفاتهما تقف على طرف النّقيض مع ما شابَ تفسير الكلمة المقدّسة من عيوبٍ نتيجةً لاستخدام التّفسير الرّمزيّ.
يُعَدّ من أكثر اللاهوتيين المسيحيين تأثيرًا في الشرق، رغم أن إرثه معقّد وأحيانًا مثير للجدل.
التّقدير والإدانة
في حياته، كان ثيودور محترمًا في جميع أنحاء الكنيسة الشّرقيّة. أمّا بعد وفاته، فأُدينت تعاليمه في المجمع المسكونيّ الخامس في القسطنطينيّة 553 م إذ اعتُبِرت مؤيّدة للنّسطوريّة. ومع هذا لا يزال ثيودور يُبجَّل في كنيسة المشرق القديمة والكنيسة الآشوريّة ولدى عددٍ ليس بقليلٍ من الباحثين والأكاديميّين.


