وفاء، تلك الأمّ الّتي قضت عمرها تطعم صغارها، تعجز اليوم حتّى عن إمساك ملعقة طعامها. ترتجف يدها، يضعف جسدها، وتذبل عيناها وهي تنتظر في زاوية الغرفة من يلتفت إليها. هي ليست مجرّد حالة، هي صوتٌ يرتفع بصمتٍ خلف الأبواب المغلقة حين يشيخ من حولنا، ويسود هدوءٌ ثقيلٌ يطرح سؤالًا واحدًا: من يرعانا؟
حين يصبح الصّمت شكلًا من أشكال الإهمال، وحين نمرُّ بجانب المسنّ وكأّنه بخيرٍ لمجرّد أنّه لا يشتكي، نقع في فخّ “الأعذار”. ننشغل بتسارع وتيرة الحياة، وننسى أنّ رعاية المسنّ داخل الأسرة هي واجبٌ يوميٌّ لا يؤجَّل. فالمسألة ليست مجرّد تقديم طعامٍ ودواء، بل هي سندٌ نفسيٌّ وحضورٌ يمنع المسنّ من أن يرى نفسه “عبئًا” بدلًا من كونه “جزءًا فاعلًا”.
خاصّةً أولئك الّذين تجاوزوا الخامسة والسّبعين؛ حيث تبدأ الذّاكرة والقدرات بالتّراجع، تزداد حاجتهم إلى الحنان قبل الدّواء. إنّ إكرامهم ليس مجرّد “واجب اجتماعيّ” نؤدّيه بروتين، بل هو طاعةٌ لوصيّةٍ إلهيّةٍ راسخة: “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ”. أمّا من يهمل أهل بيته، فقد وضع إيمانه وأخلاقه على المحكّ، كما يحذّرنا الكتاب: “وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ… فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ.”
ويبقى السّؤال الّذي يجب أن يوقظ ضمائرنا: كم من مسنٍّ عانى بصمتٍ ورحل في هدوء، بينما ظننّا أنّه بسلامٍ لمجرّد أنّه لم يطلب النّجدة؟ تذكّروا دائمًا، أنّ ليس كلّ ضعفٍ يحتاج لسانًا، ولا كلّ ألمٍ تراه العين… فما نفعله اليوم بكبارنا، هو ما سنحصده غدًا عندما نصبح نحن مكانهم.


