أثوابٌ ليست على مقاساتنا: أيّ اختصاصٍ جامعيّ أختار؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

لا زلت أذكر، حتّى الآن، فرحة أمّي وهي تنظر إليّ وأنا مرتديةٌ معطف المختبر الأبيض. كانت فرحتها لا تُقاس فلطالما كان هذا ما تريده لي أو بالأحرى ما كانت تريده لنفسها ولم تستطع تحقيقه.  ما من شكّ أبدًا أنّ ما يتمنّاه الأهل لأولادهم هو النّجاح والتّألّق لذلك لا يوفّرون فرصة تقديم الإرشادات والنّصائح لهم.

فور تخرّجهم من الثّانوية، يبدأ الوالدين بنسج خيوط الثّوب الذي يليق بابنهم وابنتهم، فيطلقون العنان لمخيّلتهم الّتي تارة تأخذهم لعيادة طبيبةٍ جميلةٍ وطورًا لمكتب مهندسٍ وسيم. أمّا الأبناء فيتصارعون ما بين رغبتهم في تحقيق ما حلموا به لسنين طويلة وحماسة أهلهم التي تخجلهم من شدّتها وتدفعهم لقبول أيّ عرض يُرّوج له من قبلهم.

تحت راية سنين الخبرة في الحياة والنضج، يُلزم الأهل أولادهم باختيار ما يرونه مناسبًا من الاختصاصات المتاحة غير مدركين أنّ إسقاطًا كهذا من شأنه أن يثبط عزيمتهم ويقودهم نحو الإخفاق والفشل، فيخسرون سنين من عمرهم من دون إحراز أيّ تقدّم في مسيرتهم الأكاديميّة.

المرحلة الجامعيّة هي أفضل مرحلة في حياة الشّباب. خلال هذه المرحلة يبنون العلاقات وتتشكّل نواحٍ كثيرة من شخصيّتهم ويكوّنون العدسة التي من خلالها ينظرون إلى العالم والمجتمع. الجامعة هي ساحة معركة للفوز والوصول إلى ما يطمح إليه الطّالب وليس مكانًا لليأس والملل.

ما يدفع الشّباب للأخذ بنصيحة والديهم هو عدم وجود مكتب للمشورة الأكاديميّة في حرم جامعاتٍ كثيرة، وكم كان لهذا تأثير مدمّر على عددٍ كبيرٍ من الطلاّب، فيبدأ الطّالب بدراسته ويمضي لياليَ من السّهر والتّعب ليُفاجَأ فيما بعد بواقعٍ لا يمتّ لتوقّعاته بصلةٍ وحينئذٍ سيتحمّل وحده كلفة ذلك.

السّؤال الذي يجب على الطّالب أن يطرحه هو ليس أيّ إختصاص أختار بل أي إختصاص هو الجيّد بالنّسبة إليّ. عند اختيار تخصّص جامعيّ يجب الترّكيز على المهارات والقدرات وأيضًا القيم الشّخصيّة، فما يختاره الطّالب لنفسه سيكون له تأثير مباشر على مجتمعه ومن حوله. يجب أيضًا أن يرتبط الإختيار بالشّغف الذي هو بمثابة قوّة الدّفع للصّمود والتّحمّل حتّى التّخرج. الشّغف هو محرّك قويّ للإبداع في كافة المجالات ومحاولة كبت هذا الشّغف تؤدّي إلى الخمول والكسل وفقدان المتعة بما نفعله. كسب المال، وعلى رغم من أهمّيته، لا يُعدّ من المبادئ المهمّة في الاختيار، لأنّه ماذا ينتفع الطّالب إن حصد في المستقبل ملايين الدّولارات لكنّه فاقدٌ السّلام والشّغف والمتعة؟

إختيار التّخصّص الجامعيّ هو حقٌّ مقدّسٌ لكلّ طالب، والنّجاح في هذا الاختيار يعني نجاح أمّةٍ والنّهوض بوطنٍ إلى مستوى من التّألّق والرُقي، فهل نسدي لطلّابنا خدمةً ونجنّبهم ارتداء أثواب ليست على مقاساتهم، ونجعل المشورة الأكاديميّة إلزاميّة قبل الولوج في أيّ إختصاص؟!