أوبئة القرون الوسطى وزمن الكورونا

العدد:
السنة:

كانت القرون الوسطى أزمنة ذهبيّة لنخبة من القوم. اشتهرت احتفالاتهم بالعظمة داخل القصور الفخمة، برفقة سيّدات يقتنصن الرّجال بسحرهنّ. اختلف الأمر مع عامّة الشّعب الّذين عاشوا في ظروف مخيفة تشبه مزبلة ضخمة غابت عنها كلّ أشكال النّظافة وأصولها. تسبّبت هذه البيئة، غير الصحيّة، بموت أعداد ٍكبيرةٍ من الفقراء قبل أوانهم. ثمّ انتشرت الأوبئة، وأسوأها البرص والطّاعون، فقضى ملايين النّاس بشكل مأساويّ لعدم توفّر أيّ علاج.

 

وباء البرص

شكّل البرص الآفة العظمى للبشريّة خلال القرون الوسطى. لم يتسبّب الطّاعون الأسود في القرن الرّابع عشر ولا السفيليس في نهاية القرن الخامس عشر بحالةٍ مماثلةٍ من الرّعب. ظنّ بعض الأطبّاء أنّ المرض نتج من تناول بعض الأطعمة؛ قال آخرون بأنّه عقاب إلهيّ. لم تنجح أساليب العلاج بل أظهرت عقمها وعجز الأطبّاء. فانتزعت الكنيسة زمام المبادرة في مهمّة محاربة الوباء واتّبعت إرشادات سفر اللاويّين الفصل الثّالث عشر. أنجزت بذلك عملًا بطوليًّا عظيمًا على صعيد الوقاية المباشرة واقتلاع المرض من جذوره بشكلٍ منهجيّ. تُعتبَر القوانين الضّابطة للبرص في شريعة اللاويّين أوّل نموذج للتّشريع الصّحيّ الّذي يُراعي أصول النّظافة العامّة. تبدو عمليّة "إقصاء البرص من المحلّة أمرًا بديهيًّا في نظرنا، أمّا قبل مئة سنة من اليوم فقد سُمعت اعتراضات عنيفة جدًّا على هذا التّدبير. تقلّص عدد البُرص بفصلهم عن المجتمع، ولو بالقّوة عند الضّرورة، ليعيشوا ضمن أماكن مخصّصة لهم، سُمّيت لاحقًا "بالحجر الصّحيّ".

 

أعرب Karl Sudhoff، البروفسور في التّاريخ الطبّي، عن إعجابه العميق بما يحتويه الكتاب المقدّس من قوانين عمليّة، قائلًا "الفصلان الثّالث عشر والرّابع عشر من سفر اللاويّين هما من الوثائق الرّسميّة الهامّة على صعيد تاريخ الطّبّ الوقائيّ ويجدر بنا كتابتهما بأحرف مشعّة ومتوهّجة من الذّهب. كان القصد منهما أن يكونا بمثابة البذرة الأولى الّتي منها انبثق علم الوقاية الحديث ضدّ الأمراض المعدية".

 

الطّاعون الأسود

          وباء آخر جعل القرونَ الوسطى مظلمةً هو "الطاعون الأسود". كثرت الرّوايات وبقي سبب انتشاره غامضًا. ما نعرفه أنّ سفن البحّارة الإيطاليّين الّتي احتوت الجرذان والفئران والبراغيث جلبت الوباء من "كفّا" إلى إيطاليا. ومن ثمّ انتشر في كلّ أنحاء أوروبا، ووصل عدد الضّحايا إلى نسبة خمسين بالمئة. كذلك شهدت مناطق أخرى سقوط ضحايا حتّى زاد عددهم في العالم عن ستّين مليون أي ما يوازي ربع سكّان العالم. جرف الطّاعون المروّع كلّ شيء من أمامه مخلِّفًا وراءه الذّعر والبلبلة. وحطّم كلّ قيود الأخلاق واللّياقة والعطف البشريّ. فتخلّى الأهل كما الأولاد والأصدقاء عن بعضهم البعض حيث سعى كلّ واحدٍ لإنقاذ نفسه.

 

عجز الأطبّاء عن مساعدة الضّحايا. واستفاد الدجّالون والمشعوذون من فرصة العمر السّانحة. ظنّ بعض المدرّسين في جامعة باريس أنّ التقاء الكواكب الثّلاثة زحل والمشتري والمرّيخ، الّذي حدث في عام 1345، قد لوّث الهواء على الأرض. ألقى كثيرون بالملامة على معشر اليهود فيما رأى الأطبّاء المسيحيّون الأمرَ عقاباً إلهيًّا.

 

ثمّ ظهر الطبيب Balavignus في مدينة ستراسبورغ، الحيّ اليهوديّ بالتّحديد، واكتشف أنّ الظّروف المنافية لأصول النّظافة، السّائدة في المدينة، تقف خلف الوباء. كان يعرف الكتاب المقدّس جيّدًا فطبّق تعليماته. أمر في عام 1348 بتنظيف الحيّ اليهوديّ بأكمله، وإحراق النّفايات. عمل بموجب قوانين "الطّهارة"، أي النّظافة العامّة، المنصوص عليها في سفر اللاويّين. فتقلّص مباشرةً وبشكلٍ ملحوظٍ مجموع الإصابات بالطّاعون إلى نسبة خمسة بالمئة. مع ذلك لم يتبنّ السكّان مجموعة شرائع النّظافة الّتي اعتمدها Balavignus. بل اتّهموه كأحد المشبوهين الرئيسيّين لعمليّة انتشار الطّاعون في أوروبا، وأُخضِع لأقصى أنواع التّعذيب. وتعرّض معه آلاف اليهود الآمنين للذّبح والحرق بعد الإتهامات السّياسيّة.

 

الحجر الصحّي

لاحظ الأطبّاء، بعد Balavignus، الأهميّة البالغة لشريعة النّظافة في العهد القديم لمواجهة الأمراض المعدية لاسيّما اعتماد أسلوب عزل المرضى. كان Simon de Covina أوّل طبيب يؤسّس مكانًا رسميًّا للحجر الصّحيّ في البندقيّة. وفي سنة 1377 رتّب لإبقاء جميع البحّارة الّذين يزورون البندقيّة داخل الحجر الصحي لمدّة 40 يومًا، من هنا نشأت اللّفظة الطبّية “quarantine”. وسرعان ما أصبحت هذه الممارسة قانونًا حكوميًّا ملزمًا. بعد ذلك تبيّن أن فترة الأربعين يوماً كانت طويلة، فتقلّصت إلى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع تمامًا كما يصف الكتاب المقدس.

 

الكورونا في مجتمعنا

يشهد العالم اليوم موجات من الخوف الجماعيّ، وثورة من التّفسيرات عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ والإعلام، لأسباب المعاناة الجماعيّة جرّاء تفشّي وباء الكورونا. ونلحظ موجة من التّناقضات في القيم والسّلوكيّات لأنّ الأوبئة بطبيعتها تعدّ "أمراضًا جديدة". لا يتوفر بشأنها قدر مؤكّد من المعلومات أو التوقّعات لكيفيّة انتشارها ومكافحتها. بالتّالي لا يوجد بالضّرورة علاج لها. فتتمسّك المجتمعات بأيّ أمل في الخلاص ولو في ممارسات غير منطقيّة. فتسقط العقلانيّة، وتظهر اتّجاهات وتحيّزات تحرّكها المشاعر والإحتياجات البدائيّة كالهلع لشراء المواد غير الضروريّة حتّى في البلدان المتقدّمة، والإنحراف نحو الشائعات، وتبنّي نظريّة المؤامرة، وبروز مصطلح الكورونوفوبيا لتجسيد حالة الخوف من كلّ ذوي الملامح الآسيويّة.

 

          ونرى في مجتمعنا المسيحي المحلّي تمسّك البعض بوجوب استمرار المناولة المشتركة ووضع الأيدي على المرضى وغيرها من الممارسات والطّقوس لاعتقادهم بأنّها وسائل كتابيّة للحدّ من الوباء. وتظهر قلّة من المسيحيّين اليوم تدرك أنّ المبادئ المتعلّقة بالحجر الصحّي والنّظافة العامّة وغسل الأيدي والطّعام الصّحيّ وطرق محاربة الأوبئة مستوحاة من الكتاب المقدّس لذا وجب احترامها وتطبيقها.

AddToAny