الأسرةُ، منبعٌ للحبّ أم مصدرٌ للألم؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

عرفَتِ البشريّةُ العنفَ منذُ القديمِ حينما حدثَ أنَّ هابيلَ قامَ عليه أخوه وقتلَه. وللعنفِ مظاهرُ متعدّدةٌ كما عندَ الوحوشِ المفترسةِ، وفي بعضِ مظاهرِ الطّبيعة ِكالبراكينِ والزلازلِ والعواصفِ الشّديدةِ والسّيولِ الجارفةِ والحرائق. ومن العنفِ أيضًا الحروبُ الّتي تُستَخدَمُ فيها أشدُّ أنواعِ الأسلحةِ فتكًا وتدميرًا فيهلكَ بسببِها الآلافُ والملايينُ من الضّحايا. هذه الأنواعُ من العنفِ تحدثُ ثمَّ تتوقّفُ فتتّخذُ البشريّةُ تدابيرَ الحمايةِ والسّلامةِ لصيانةِ السِّلمِ العالميّ والتّخفيفِ من الأضرارِ النّاتجةِ عن أهوالِ الطّبيعة.

 

العنفُ الأُسَريُّ

تواجهُ كافّةُ المجتمعاتِ، ومنها لبنانُ، نوعًا مختلفًا من العنف، هو "العنف الأسريّ". غالبًا ما يبرّرُ المعتدي تعنيفَه بأنّه من خصوصيّاتِه وحقٌّ له مقبولٌ ومن غيرِ المحتملِ الإبلاغُ عنْهُ. يقعُ العنفُ الأسَريُّ بينَ جميعِ أفرادِ الأسرةِ كالعنفِ الممارَسِ من الأبِ على الأولادِ أكانوا راشدين أم قاصرين، أو العكس من الأولادِ الرّاشدين على ذويهم، أو العنفُ بينَ الإخوةِ والأولادِ بالتبنّي أو التّكفُّل، أو أيّ شخصٍ يتعرّضُ للعنفِ من قِبَل مَنْ له حقُّ الولايةِ أو الوصايةِ عليه. إنَّ الحالاتِ الأكثرَ شيوعًا في العنفِ هو الممارَسُ من الزّوجِ على زوجتِه وأولادِه القاصرين المعروفِ "بالعنفِ المنزليّ" الجسديّ والنّفسيّ. أمّا العنفُ ضدَّ الرّجالِ فهوَ أقلُّ شيوعًا بل من المحرّماتِ الحديثُ عنهُ في العديدِ منَ المجتمعات.

 

ظاهرةٌ تتزايدُ

انعكسَت في الآونةِ الأخيرةِ تداعياتُ الحجْرِ المنزليّ للحدّ من انتشارِ وباء ِكورونا سلبًا على العائلاتِ في لبنانَ وجميعِ البلدانِ. فتفاقمَتْ ظاهرةُ العنفِ المنزليّ بسببِ الضّغوطِ النّفسيّةِ والإقتصاديّةِ المؤيّدةِ بعقليّةِ التّسلّط.

 

وعلى الرّغمِ من صدورِ القانونِ رقم 293 لعام 2014 "حمايةُ النّساءِ وسائرِ أفرادِ الأسرةِ من العنفِ الأسَريّ" على أهميّته إلاّ أنه لم يحُدَّ من هذه الإنتهاكاتِ كما أرادَ له واضعوه. ترتفعُ حالاتُ العنفِ المنزليّ في لبنانَ لعدّةِ أسبابٍ، منها وجودُ ثغراتٍ في هذا القانونِ وعدمُ المصادقةِ حتّى الآن على التّعديلاتِ المقترَحةِ. والأهمُّ من ذلك تبقى القوانينُ الوضعيّةُ، مهما بدت متكاملةً، قاصرةً عن معالجةِ صفاتِ الإنسانِ غيرِ المؤمنِ وطباعِه وتصرّفاتِه القائمةِ على السّطوةِ والغضبِ وحبّ التملّكِ والتحكّم.

 

خطّةُ الله

يناقضُ العنفُ المنزليُّ خطّةَ الله للعائلةِ الّتي تتّسمُ بالتّعاونِ والتّكاملِ بينَ الزّوجين. فتخضعُ المرأةُ لزوجِها ويحبُّ الزّوجُ امرأتَه بتفانٍ كما بين المسيحِ والكنيسةِ (أف 5: 25-33). يُدينُ اللهُ العنفَ المنزليَّ على الأطفالِ، "وأنتم أيُّها الآباء، لا تغيظوا أولادَكم، بل ربّوهم بتأديب الرّبّ وإنذاره"، ويشدّدُ على واجبِ الأولادِ في طاعةِ ذويهم (أف 6: 1-4). يختلفُ التّأديب أعلاه عن العنفِ والإساءة.

 

 

يتضمّنُ اتّباع الله خدمةَ الآخرين. لهذا يقدّمُ المؤمنون بالمسيحِ مثالًا صالحًا للآخرين من خلالِ عائلاتِهم المبنيّةِ على المحبّةِ والقيَمِ الإنجيليّة. هكذا تكونُ الأسرةُ منبعًا للحبّ وليسَ مصدرًا للألم.

AddToAny