الإنسان بين المعرفة والحكمة

العدد:
السنة:

يرشد الكتاب المقدّس الإنسان ليعرف الله ويمنحه الفهم ليكون صالحًا. أوحى به الله رجاله القدّيسين ليستفيد البشر من تعاليمه وإنذاراته، فيتّعظوا ويقوّموا سبلهم في طريق البِرّ. يدرسه المرء فيجد معرفة كافية تقوده نحو النّضوج الذّاتي والكمال الإلهيّ، وتدفع به لخدمة أترابه وتمجيد إلهه. كما تمدّه بالحكمة السماويّة الخيّرة ليميّز بين الصّالح والطّالح.

واقع مُغاير      

يقول واقع الحياة كلمة مُناقِضة، فالشرّ يتضاعف ويتمدّد بكلّ الاتّجاهات والمستويات. هذا الأمر يجعل الكتاب المقدّس أقرب إلى المثاليّات البعيدة من أرض الواقع؛ فيستحيل حفظه وتطبيقه. إذًا تمتلئ الأسفار المقدّسة بالمعرفة والدّروس المغايرة لسلوك الإنسان اليوميّ. واجه كلّ من يوسف ابن يعقوب وداود الملك نفس الخطيئة. تعرّف كلّ منهما على مبادئ الرب وتعاليم شرائعه. تعلّمها يوسف من أبيه يعقوب، قبل تدوين النّاموس، بالتّواتر من إبراهيم إلى إسحق إلى يعقوب إلى يوسف. هكذا عرف يوسف أنّ طاعة الله هي فوق كلّ اعتبار. داود بدوره أحبّ الربّ وتعلّق بوصاياه. فمدحه الربّ قائلًا، "وجدت داود بْنَ يسّى رجلاً حسب قلبي، الّذي سيصنع كلّ مشيئتي". عاش داود في زمن ما بعد كتابة النّاموس حيث أصبحت الوصايا أكثر وضوحًا وأعمق مفهومًا من زمن يوسف الصدّيق.

          لم يشأ يوسف السّقوط في الخطيئة مع امرأة فوطيفار معتبرًا أنّها ضدّ الله بشكل مباشر. فصرّح، "كيف أصنع هذا الشّرّ العظيم وأخطئ إلى الله؟" أمّا داود فقد سقط في الخطيئة ذاتها مع امرأة أوريّا الحثّي وزاد عليها بقتله أوريّا. يتّضح بذلك كإستنتاج أنّ المعرفة وحدها لا تكفي ليكون الإنسان كاملًا. إنّه يحتاج إلى الحكمة في التصرّف بالمعرفة الّتي لديه. المعرفة هي تحصيل المعلومات، والحكمة هي كيفية تطبيق هذه المعلومات.

فطنة جيّدة

المؤمن الّذي يعيش بموجب إنجيل المسيح "يجد نعمةً وفطنةً صالحةً في أعين الله والنّاس". تعني الفطنة التبصّر وبُعد النّظر، وتشير الى المهارة في تطبيق المعرفة أي الحكمة في التصرّف. تجمع كلمة الله في عبارتين بين رأس المعرفة ورأس الحكمة، والقاسم المشترك بينهما مخافة الرّب. من يمتلك مخافة الله في قلبه وذهنه يتصرّف بمعرفته بحكمة. هكذا تندمج المعرفة بالحكمة. ويُعطى المرء معرفةً وتدبّرًا وحكمة في السّلوك بصلاح وطلب الخير كلّ حين.

          وصف أحدهم الحكمة بفنّ تطبيق المعرفة. فاقت معرفة الملك سليمان الكثيرين في زمانه. باركه الرب فذاع صيته حتّى اليوم أنّه حكيمٌ تصرّف بما يعرفه بفطنةٍ جيّدةٍ. لكنّه في آخر أيّامه فقَدَ مخافة الرّب من حياته. سمح لقلبه أن يميل عن إلهه. خالف وصاياه فتزوّج نساء وثنيّات غريبات من الأمم الّتي حوله. لم يتصرّف بحكمة فغضب الرّب وعاقبه بتقسيم مملكته من بعده.​

يعيش الإنسان المعاصر في زمن ازدياد المعرفة. امتلكها وتفوّق بها على كافّة الأجيال السّابقة. يبقى هذا الأمر غير كافٍ ليقول أنّ لديه حكمة الرّب ومخافته. منحه الله المعرفة ووضع أمامه الحكمة كي يدبّر ما يتعلّمه ويستخدمه. يجب عليه أن يتنبّه للمعرفة الّتي وصلته، وأن يتصرّف بفطنةٍ صالحةٍ إذ يطابق بين المعرفتين الفكريّة والرّوحيّة في حكمة التصّرف ويحقّق بنجاح إرادة الله في حياته، ويختبر بركاته في كلّ أعماله

AddToAny