التّوق إلى الآيات والعجائب

الموضوع:
العدد:
السنة:

يستندُ تفسيُر الظّواهرِ الكاريزماتيّةِ الشّائعةِ إلى أمرين منتشرين على نطاقٍ واسعٍ في العالمِ اليوم، النّزعةُ الشّكوكيّةُ ونكرانُ الذّات. يتمُّ نكرانُ وجودِ اللهِ وصفاتِه وأعمالِه بسببِ التّفكيرِ المتَّسِمِ بالتوجّهِ العقلانيّ والتطوريّ والماديّ والإلحاديّ. هكذا تقعُ الكنائسُ تحتَ وطأةِ ضغطٍ هائلٍ، أن تُبيِّنَ للمجتمعِ غيِر المؤمنِ أنَّ اللهَ حيٌّ وكلّيُّ القوّةِ والحكمةِ وقدْ فعلَ حقًّا كلَّ المعجزاتِ والآياتِ المدوّنةِ في كلمتِه.     

 

هذه هي خلفيّةُ الأجواء الّتي أفضَتْ إلى الخطرِ البائسِ الّذي نواجهُه اليومَ، أي الرّغبةُ في إجبارِ اللهِ على استحضارِ مظاهرِ القوّةِ ليُقنعَنا أنَّه إلهُ الأسفارِ المقدّسةِ. لدينا أمثلةٌ في الكتابِ المقدسِ على أوقاتِ شعَرَ فيها شعبُ اللهِ القديمِ برغبةٍ مماثلةٍ في تأييدٍ علنيّ لإلههِم. كانَت هذه الرّغبةُ مشروعةً وذاتَ قيمةٍ، لكنّ اللهَ لم يُلبِّها أبدًا. لم يستجبْ لصلواتِهم وتوسّلاتِهم اليائسةِ من أجلِ معجزاتٍ مرئيَّةٍ. 

 

يعلمُ الرّبُّ ما يفعلُه، ومتى سيفعلُه، وكيف سيفعلُه. يخضعُ تأييدُه المرئيُّ لإرادتِه السّياديّةِ لا لرغباتِنا أو اقتراحاتِنا أو مخطَّطاتِنا البشريّة.     

 

هل من عجائب الآن؟

تعرضُ بعضُ الشّيعِ المسيحيّةِ على أتباعِها معجزاتٍ تثبتُ شهادتَهم وسطَ عالمٍ غيرِ مؤمنٍ. تنمو هذه المذاهبُ كالنّارِ في الهشيمِ بسببِ ضماناتِهم بأنَّ النّاسَ سيشعرون ويختبرون، وترى تأييداتٍ إلهيّةً مرئيّةً مذهلةً علنيّةً. بسببِ ذلك، يقعُ شعبُ الرّبّ تحتَ ضغطٍ هائلٍ ولا يُقاوَم وهو التّوق الشّديد للآيات والعجائبِ. يتساءلُ كثيرون قائلين، "ألا يمتلئُ الكتابُ المقدّسِ بالآياتِ والمعجزاتِ؟ لماذا لا يستطيعُ المؤمنون في هذه الأيّامِ اختبارَ المعجزاتِ والقيامَ بها كما في الأزمنةِ القديمةِ؟"

         

على كلّ حالٍ، "يمتلئُ" الكتابُ المقدّسُ بالآياتِ والمعجزاتِ كونها مستمرّةً. يبيّنُ التّحليلُ الدّقيقُ لكلمةِ اللهِ أنَّ المعجزاتِ لم تحدثْ كلَّ أسبوعين لكلّ شخصٍ وآخر. بل كانَت، في الواقعِ، من بينِ الأحداثِ النّادرةِ في تاريخِ العالم. يكتشفُ الدّارسُ المتعمّقُ والمتتبّعُ لتاريخِ الإعلانِ الإلهيّ المكتوبِ، أنَّه من وقتِ خَلْقِ العالمِ إلى مجيءِ الطّوفانِ، حوالي 1700 عامًا، كانَت هناك معجزةٌ واحدةٌ فقط، تمثَّلَت في نقلِ أخنوخ من دونِ أنْ يموتَ ليكونَ في محضرِ الرّبّ. في المرحلةِ الأخيرةِ من هذه الفترةِ جاءَ مشروعُ بناءِ الفلكِ، لكنَّه، من نقطةِ رصدٍ خارجيّةٍ، لم يكن من بينِ الآياتِ المُعجزيَّة.      

 

العجائب في التاريخ المقدّس

ومنَ الطّوفانِ إلى زمنِ الآباء، كانَ هناك أيضًا آيةٌ مُعجزيَّةٌ واحدةٌ فقط، دينونةُ برجِ بابل. ومن زمن الآباء إلى موسى، كانت الآياتُ المُعجزيَّةُ نادرةً جدًّا. فخلالَ أربعمئةِ سنةٍ من العبوديّة في مصر، لم تكن هناك كلمةٌ واحدةٌ من السّماء، ولا آيةٌ مُعجزيَّةٌ واحدةٌ. وفجأةً، جاء الانفجارُ العظيمُ للآياتِ في زمنِ موسى ويشوع. نجدُ الكثيرَ منها طوالَ فترةِ أزمةِ الخروجِ ودخولِ أرضِ الموعد. ثمّ تأزَّمَ الوضعُ أكثرَ في زمنِ القضاة. وفي وقتٍ لاحقٍ، عادَتْ وأصبحَتْ نادرةً جدًّا مرّةً أخرى. ولم نرَ أيًّا منها في وقتِ سليمانَ الملك.

         

في فترةِ المملكةِ المنقسمةِ من سليمانَ على طولِ الطّريقِ وصولاً إلى نحميا، كانت الآياتُ نادرةً جدًا، لدرجة أنّها كانت غيرَ موجودةٍ على الصّعيد العمليّ. مع وجودِ استثناءاتٍ بطبيعةِ الحال. اختَبَر إيليّا وإليشع بعضًا من الآيات، وذُكِر يونان في سياقِ آيةٍ مسيَّانيَّة عظيمة. ولكن، بالمقارنة مع خمسة قرون، تُعدّ هذه الآيات قليلةً جدًّا. في تلك الحقبة من التّاريخ، اتّسم بعضٌ من الرّجال بالتّقوى، وقاموا بأعمالٍ عظيمةٍ من أجل الله في الأمّة، مثل عزرا ونحميا وزربّابل، لكنّهم لم يشهدوا آيةً واحدةً. تبعَ فترةَ العهدِ القديمِ أربعُ مئةِ سنةٍ من الصّمتِ الإلهيّ الكامل. حدثت أشياءُ عديدةٌ مثيرةٌ للاهتمام، لكن لم تكن هناك معجزةٌ واحدةٌ، ولا صوتٌ من السّماء، حتّى ظهورِ يوحنّا المعمدان.

         

يوحنّا المعمدان، بشهادة يسوع، كان أعظم نبيّ عاش على الإطلاق. على الرّغم من ذلك، لا يذكرُ الكتاب قيامَه ولو بآيةٍ واحدةٍ في حياتِه. ألا يدعو هذا الأمرُ للدّهشة والتّفكير؟! وماذا عن الرّبّ يسوع نفسه؟ لقد كان أعظمَ صانعٍ للمعجزات، وابن الله الحيّ وكلمتَه الأزليّة، إلاّ أنّه في الثّلاثين سنة الأولى من حياته لم يؤدِّ معجزةً واحدةً.

         

عجيبة قانا: هل كانت العجيبة الأولى؟

صُدِم بعضُ المسيحيّين الأوائل، وساءَهم التّصريحُ الصّادرُ في يوحنا 2: 11، الّذي يخبرُنا أنَّ تحويلَ الماءِ إلى خمرٍ كانَ أوّلَ معجزةٍ قامَ بها يسوع على الإطلاق. فراحوا يقبلون الأناجيلَ المشكوكَ في صلاحيّتِها والمليئةِ بتفاصيلَ خياليَّةٍ عن معجزاتٍ صنعَها يسوع في أيّامِ الطّفولةِ والصِّبا، إذْ شعُروا بالحاجة إلى ملء الفراغِ المُفتَرَض، وتخفيفِ الإحراجِ الشّديد، من كونِ ابن الله لم يقُم بآياتٍ لمدّة ثلاثين سنة.   

 

لماذا لم يفعل الرّب معجزةً في كلّ تلك السّنوات؟ لربّما السّبب هو أنّ قيمة الآيات ترتفع بالتّناسب طرديًّا مع ندرتها. فإذا حدثَت باستمرارٍ، واستجابةً لطلبِ أيّ شخصٍ  أو حاجتِه، تصبح شائعةً وتفقدُ قيمتَها ذات الطّابع الدّيناميّ الإعلانيّ. لقد وضعَ الله حدودًا لآياته بحكمته. لذا لا يستطيعُ النّاس التنبّؤ متى وكيف، أو أين، سيفعلُ مثلَ هذه الأشياء.

         

أزال الله، وبحكمةٍ بالغةٍ، ولأسبابٍ واضحةٍ، كلَّ الأجواء التنافسيَّة المتعلِّقة بصنع المعجزات من حول ابنه الحبيب. حتّى يوحنا المعمدان الّذي سبقَه وبشَّر به، لم يصنعْ آياتٍ لكي يتركّز الإهتمام بعد ذلك على ادّعاءات الرّبّ يسوع أمام أمّة إسرائيل. صرّح العهد القديم مرارًا وتكرارًا أنّه عندما يأتي المسيّا، سيعرفون من هو بسبب الآيات الّتي سيصنعها. لذا، يجب الّا يتوقَ المؤمنون إلى الآيات والعجائب بقدر ما يرغبون في طاعة كلمة الرّبّ وعمل مشيئته في حياتهم.

AddToAny