الجار قبل الدّار

الكاتب:
العدد:
السنة:

لم يتنبَّهْ أحدٌ من الجيرانِ لوفاةِ امرأةٍ عجوزٍ في شقّتِها إلاّ بعدَ أياّمٍ عدّة. ممّا دفعَ بالنّاشطِ الفرنسيّ "أتَناز بيريفان" استحداثَ يومٍ عالميّ للجيران، يُحتفَلُ فيه يومَ الجمعةِ الأخيرِ من شهرِ أيّار من ْكلّ عام. يساهمُ هذا العيدُ في توطيدِ العلاقاتِ بينَ الجيرانِ وكسْرِ حواجزِ العزلة.

 

ينتشرُ في محيطِنا الشّرقيّ موضوعُ الإلفةِ بينَ الجيرانِ أكثرُ منَ الغربِ. نتغنّى بالمثَلِ الشّعبيّ، "الجار قبل الدّار". يرغبُ معظمُ النّاسِ بجيرانٍ ودودين يحيطون بهم ويضيفون إلى حياتِهم جوًّا من السّلامِ والهدوءِ والمحبّة. هكذا يصبحُ الجارُ القريبُ خيرًا من الأخِ البعيد.

 

ثمّة شروطٌ تعزّزُ الجيرةَ الحسنةَ وتدعمُ استمراريّتَها. يتطلّبُ الأمرُ جهدًا بسيطًا، فالحفاظُ على العلاقاتِ الطّيبةِ بينَ الجيرانِ أمرٌ بغايةِ الأهميّة. يشكّلُ الاحترامُ أبرزَ هذه الشّروط ِكعنصرٍ أساسيّ لتثبيتِ أفضلِ العلاقات. وهو منَ القِيَمِ الحميدةِ الّتي يجبُ على الإنسانِ أن يتمتّعَ بها تجاهَ أخيه الإنسان، فيحذرُ منَ الإساءةِ إلى جارِه إنْ بالكلامِ أو بالتّصرُّف. منَ الأمورِ التّي تساهمُ في ترسيخِ أجواءِ الودّ والمحبّةِ بينَ الجيران: إحترامُ ملكيّاتِ الجارِ والأقسامِ المشتركة، وعدمُ التعدّي عليها، والحفاظُ على نظافتِها. ومنها أيضًا الالتزامُ في دفعِ الإشتراكاتِ الشهريّةِ أو السنويّة، والمحافظةُ على الهدوء، وعدمُ إزعاجِ الآخرين بالأصواتِ المرتفعةِ أو الموسيقى الصّاخبة، وإلقاءُ التحيّةِ بوجهٍ مبتسمٍ، ومدُّ يدِ المساعدة ِكلَّما دعَتِ الحاجة.

 

يعلّمُنا الكتابُ المقدّسُ أنْ نفرحَ معِ الفرحين ونبكي معِ الباكين. ويخبرُنا عنْ السّيدةِ العجوزِ الّتي وَجدَتْ درهمَها الضّائعَ، فدعَت جاراتِها ليفرحْنَ معَها. بادرةٌ مُهمّةٌ أن يتشاركَ الجيرانُ أفراحَهم وأتراحَهم. هكذا تزيدُ المودّةُ والإلفةُ بينَهم.

 

تظهرُ القاعدةُ الذهبيّةُ الّتي أرساها المسيحُ أفضلَ مؤثِّرٍ لتدعيمِ روحِ الوفاقِ بينَ الجيرانِ وحثّهم للابتعادِ عنِ المشاكل. تقولُ القاعدةُ، "وكما تريدون أنْ يَفعلَ النّاسُ بكُم أفعلوا أنتم أيضًا بهِم هكذا" (لو 6: 31). تدفعُ هذه المعادلةُ منْ يتبعُها إلى تحسينِ تعاطيه مع الآخرين، فيكونُ متوازنًا في تصرّفاتِه، ومتعاطفًا مع حاجاتِهم، ومحترمًا خصوصيّاتِهم، ولا ينتهكُ حُرمةَ بيوتِهم.

 

يُضطَّرُّ المرءُ أحيانًا، وبعدَ محاولاتٍ سلميّةٍ ومتعدِّدةٍ وفاشلةٍ، إلى معالجةِ بعضِ المشاكلِ، أنْ يضعَ حدًّا لاعتداءاتِ جارِه المتكرِّرةِ وعدمِ احترامِه لملكيّتِه. فيلجأُ، مثلاً، إلى القضاءِ لاسترجاعِ حقوقِه قانونيًّا. هذا أمرٌ مؤسفٌ! مع ذلك، علينا  أن نكونَ دائمًا مستعدّين للصّفحِ عن الإساءةِ عندَ الاعتذارِ، ومتأهّبين دومًا لفتحِ صفحةٍ جديدةٍ مع جارِنا المسيءِ مبنيّةً على الاحترامِ المتبادَلِ.