الخروج من الحفرة

الكاتب:
العدد:
السنة:

اجتاز اللبنانيّون محنًا كثيرةً ومتصاعدةً في شدّتها وخطورتها. حرب أهليّة وحروب الغرباء على أرضهم، خطف وقتل وتخوين وتدمير، كذب وسرقة وخوّات، سلاح متفلّت وتفجيرُ أحياء وأسواق ومرافق حيوية، تهجير ونزوح وهجرة، عدم رؤية وانعدام تخطيط وانسداد أفق، إنهيار اللّيرة والاقتصاد، تقنين كهرباء وماء وعدم توفّر الطاقة ومواد أساسيّة وغذائيّة، سيطرة أحزاب، عبثيّة ودوافع سيّئة، كسب وخسارة، بطالة وعدم توظيف، موت ووجع ووباء وأمراض، وتطول اللّائحة. مع ذلك يتشبّثون بالبقاء. صرّح أحدهم، "نحن باقون، باقون، باقون". أهمّ أسباب التّصميم على البقاء في البلد، أو في العمل، أو في مكان ما، هو الأمل بغدٍ أفضل.

 

من يعِش للمسيح يمتلك أسباباً أفضل لتحمّل مشقّات الحياة والاستمرار في خدمة الله وعبادته. هناك بالتّأكيد أوقات أفضل مقبلة بنعمته. ولو ازدهر الأشرار فالأبرار سينجحون وينتصرون ويُبرَّرون ويتقدّمون. يبارك ناظم المزمور المئة والثّالث الله لأّنه "يفدي من الحفرة حياتك". ثمّة أوقات نجد نفوسنا في الحفر. حالة ركود، لا حول لنا ولا قوّة، نفقد الرّغبة في الاستمرار، ونريد الاستسلام للظّروف المحبطة.

 

الخضوع لإرادة الله

يخرج الإنسان من الحفرة الّتي تُنصب له حين يسلّم لمشيئة الله. تشبه أيامّنا زمن القضاة، "كلّ واحد يعمل ما يحسن في عينيه". نبحث عن طرقنا الخاصّة بعيدًا عن فكر الله ووصاياه. أمّا المؤمن فيمتلك فكر المسيح ويرغب في إرضائه، مدركًا أنّه ربٌّ سيّد ويجب أن تكون له المكانة الأولى في وقراراته ومسالكه.

 

الخضوع لإرادة الرّبّ هو "تسربل بالتّواضع" وارتداء مئزر العبد. تمامًا كما فعل يسوع حين قام عن العشاء، وائتزر بمنشفة، وانحنى يغسل أرجل تلاميذه. يعلن المؤمن، طوعًا وبإرادته، أنّه عبدٌ للمسيح يطيع إرادته ويسلك في طريقه وينفّذ خطّته. يقاوم الله المستكبرين الّذين يرفضون ملكه في شؤون حياتهم. ويعطي، في المقابل، نعمةً للمتواضعين ويعلّي المنحنين بطريقته الخاصة. يفقد الرّؤية والهدف من يسعى لتقديم ذاته وتعزيزها في ملكوت الربّ. ومن يفقد حياته طوعًا في خدمة الرّبّ بحسب مشيئته، ينَل حتمًا بركاتٍ مضاعفةً وإكليل المجد. "لأنّ كلّ من يرفع نفسه يتّضع ومن يضع نفسه يرتفع".

 

تسليم القلق لله

يأمر الرّسول بطرس المؤمنين، بشكل جازمٍ وحاسم، أن يُلقوا كلّ همّهم على الله. يشير الفعل "ألقِ" إلى صفقة نقوم بها مرّة واحدة. إرمِ مرّة والى الأبد أعباءك على يسوع. حين تضغط هموم الحياة، بكلّ أشكالها، لا تتحمّلها وحدك. الربّ القدير يقف أعلى الحفرة، باسطًا يده، مستعدًّا ليرفعك فوقها ويتحمّل جميع مشاكلك ومتاعبك. أعطِ الكلّ ليسوع بشكلٍ قاطعٍ وكاملٍ "وهو يعتني بكم". تتطلّب هذه الصّفقة ثقة مطلقة بالله.  

 

أيقظ التلاميذ يسوع بهلعٍ قائلين:" يا معلّم ألا يهمّك أنّنا نهلك؟ أنت نائمٌ والرياح تضرب السفينة، والأمواج ترطمها، والمياه تغمرها وتُغرقها!" قال لهم يسوع: "ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم؟" تحتاجون إلى الثقة بي وإلقاء الحمل عليّ. فقام وانتهر الرّيح فسكنت، وصار هدوءٌ عظيم. من يقع في حفرة الهموم ومشاكل الحياة، تلامس أعباؤه قلب الله، فيتحرّك ليعينه. لأنّه رئيس كهنتنا الأعظم، يرثي لضعفنا. ذهب يسوع إلى الصّليب، حمل خطايانا وأسقامنا ولعنتنا، خلّصنا واتّحد بنا. وهو لن يتخلّى عنّا أو يدعنا نصارع مع همومنا في الحفرة الّتي نقع فيها. يأتي إلينا ويفدي من الحفرة حياتنا.

 

تمتين السّير مع الله

ينصب الشيطان فخاخًا ليسقط المؤمن في حفر التّجارب وبالوعات اليأس. يرغب في أن يراه بائسًا قلقًا ومحتارًا تائهًا. يعمل ضدّه لتكون الرّياح معاكسةً فتنكسر سفينة حياته. يستطيع المؤمن الانتصار عليه والنّجاة من فخاخه بتمتين علاقته بالرّب. الشّيطان شخصيّة حقيقيّة، هاجم أيّوب قديمًا ويهاجمنا اليوم. يغربلنا كالحنطة حتّى نتزعزع ونسقط. يفرح حين نقلق ويحتفل حين نخطئ. كلما أدركنا حقيقته، شعرنا بالحاجة لنقوّي إيماننا ونعزّز مسيرتنا مع الله.

 

والشّيطان شرس. يشبّهه بطرس بأسدٍ قويّ زائر. تفوق قوّة الأسد الإنسان بعشرين مرّة. يُسمَع زئيره على بُعد خمسة أميال مثيرًا الرعب حوله. هذا ما يفعله الشّيطان! يزمجر ليخيف أولاد الرّب. يعرف أنّ الخوف يشلّ الإيمان ويخفّف من تأثير كلمة الله. لا يمكن لمؤمن أن يحاربه بمفرده لكنّه يقدر أن يهزمه حين يقاومه راسخًا في الإيمان. فيتحوّل زئيره الهادر إلى مواء خائر. من يقف بوجهه يجب أن يكون ثابتًا في إيمانه ومواقفه الكتابيّة، ومرتديًا كلّ سلاحه الرّوحيّ. يجول الشيطان ملتمسًا من يبتلعه. لا تكن صيدًا سهلًا، ولا تسمح له أن يحظى بعائلتك أو أخلاقك أو عقلك أو عاطفتك، قف ضدّه وانتظر النّصر من عند الرّب.

 

رؤية عمل الله

يظهر عمل الله بالنعمة الّتي يتمتّع بها أولاده في كلّ يوم. بينما يواجهون الصّعاب ويقاتلون الشّيطان ويتثقّلون بالهموم يتذكّرون أنّ الّذي دعاهم إلى مجده الأبديّ هو إله كلّ نعمة. ليس الوعد أن يرفع الله كلّ حمْلٍ عن اكتافهم، ويسهّل كلّ هضبة أمامهم، ويزيل كلّ حفرة من طريقهم، بل أن يعتني بهم ويكفيهم بنعمته الفائقة فهي عظيمةٌ لا تقدّر بثمن، وواسعةٌ لا حدود لها.

 

ويظهر عمل الله أيضًا بالآلام الّتي يتحمّلها المؤمنون. الحزن والتنهّد مزروعة طوال طريق الحياة. قال أحدهم، "عند الله ابن واحد لم يقترف ذنبًا ولكن ليس لديه ابن واحد لم يتألّم أبدًا". قد يحجب وادي الدّموع رؤية نعمة الله تحيط بنا، لكن يبقى وعده ثابتًا عبر السّنين، أنا معكم كلّ الأيّام، لا أترككم يتامى، آتي أيضًا وآخذكم إليّ. لذا "فلنحاضر بالصّبر في الجهاد الموضوع أمامنا. ناظرين الى رئيس الإيمان ومكمّله". وهو خاض نفس السّباق قبلنا ويعرف طريق الانتصار. وعندما تنتهي أيّام المعاناة تبدأ أيّام المجد الأبديّة. هناك يسكن المفديّون مدينة جديدة لا وجود فيها لمخاطر ومشاكل أزعجتهم وقضّت مضجعهم. تُستبدل المحن والأعباء بالرّاحة والسّلام. لا وجود هناك لإبليس ويشعّ الرب بنور المجد والبهاء على طول الأيام. في ذاك المكان لا توجد حفر المتاعب والتجارب الّتي نقع فيها هنا.

 

من يرغب الخروج من حفر الحياة المرهقة، وينتصر أخيرًا على حفرة الموت الرهيبة، عليه الإجابة على أسئلة أربعة، هل أسلّم إرادتي لله؟ هل ألقي همومي عليه؟ هل أمتّن مسيرتي معه؟ هل أرى ما يعمله من حولي؟ يوجد مع يسوع قوّة وسلام وفرح وانتصار.

AddToAny