الخشوع يبدأ في مكان العبادة

العدد:
السنة:

لا أحد ينكر أحقيّة الله القدير بالخشوع أمامه. كيف يمكن إذًا لعابد أن يشكر الله ويعبده كما ينبغي إنْ استبدله بإلهٍ من صنعه، إلهٍ أصغر بكثير؟ الواقع أنّ العديد من المسيحيّين أعادوا صياغة الله في هذه الأيّام، وجعلوه كائنًا يحتلّ مكانةً أعلى بقليل من مكانتهم. ونتيجةً لذلك، لم يعد يُنظَر إليه كالله المطلَق والقدير والقدّوس مَنْ يرى القلوب كلّها ويفحصها، بل أمسى مجردّ رفيق أو صديق يشاركنا أمورنا الصّغيرة والتّافهة ويستمتع بثقافتنا المبنيّة على المتعة. فما عاد الله مَنْ نخافه ونقدّم له الخشوع.

 

نماذج كتابيّة

وانطلاقًا من ذلك، لا يحتاج موسى مع الله الجديد هذا إلى خلع حذائه من رجليه، والرّسول يوحنّا للارتماء عند قدميه كالميت. ولا يُمانِع الله المعدَّل طريقة تعبّدنا له. لا نضطرّ في محضره إلى ضبط أنفسنا، ولا يؤنّبنا ضميرنا بشأن أيّ أمر نفعله. وتنبغي الإشارة إلى أنّ تغيير الله يعني إنكاره وإهانته. إذًا، أين الخشوع اليوم؟

 

أين إله إيليا؟ وأين الله العظيم من تَتوجّه إليه صلوات العهد الجديد المدوّنة باحترام شديدٍ؟ لم يعد مرغوبًا، اليوم، هذا الله المجيد بشكلٍ مثيرٍ للدّهشة، حتّى من عددٍ كبير ٍممَّن يؤمنون بكلمته ويطلبون خلاصه. فصار الخشوع مَقيتًا وأُحيل إلى بقايا ثقافة سابقة ومنبوذة. وبِتنا نصيح اليوم "أعطنا إلهًا من مستوانا".

 

مخافة الرّبّ

يعني مصطلح "خشوع" حرفيًّا، مسبَل العينين أو بتواضعٍ عظيمٍ. أما مصطلح "تقوى" فيعني الحذر أو المهابة المقدّسة. حافظَ الرّبّ يسوع نفسه على خشوع عميق للآب حين عاش حياة البرّ الكامل من أجلنا. يُعلِّمنا الكتاب المقدّس أنّ صلواته سُمِعت بفضل "تقواه"، وهو المصطلح اليونانيّ نفسه للحذر أو الخشوع. ترد كلمة "تقوى"، أي الخوف التوقيريّ، كثيرًا في العهد الجديد. عُرف كرنيليوس الّذي زاره بطرس في قيصريّة برجل "يتّقي" الله؛ بدا جليًّا خشوعه لله. استخدم بولس نفس المصطلح لمّا ناشد مرّتين كلّ من "يتّقي" الله في أنطاكيةَ بِسيدِيَّةَ. كان في الحقيقة يناشد كلّ من قَبِلَ فعلًا كلمة الله. اعتمد بطرس نفس المصطلح حين كتب، اِتَّقوا الله". ونادى ملاك التّبشير بالبشارة الأبديّة في سفر الرّؤيا قائلًا،" اتَّقُوا اللهَ"، مستخدمًا المصطلح عينه. إشارة إلى أنّ الهدف النهائيّ الّذي تصبو إليه البشارة هو حثّ الأفراد على الخشوع، وليس فقط على الخلاص.

 

تكلّم يسوع في مَثَل المزارعين الأشرار عن ربّ بيت قام بتسليم كرمه. وحين أرسل عبيده ليتسلّموا ثمر الكرم، ضُربوا وقُتلوا ورُجموا بالحجارة. أخيرًا أرسل ربّ البيت إبنه قائلًا، "سَيَهَابُونَ ابْنِي". يستحقّ ربّ المجد، إبن الله الأزليّ، الخشوع والإحترام والإذعان. وهذه إن لم تظهر أوّلًا وقبل كلّ شيء في العبادة، فإنّها لن تتجلّى في أيّ مجال آخر من الحياة المسيحيّة. وسرعان ما يَتولّد عن العبادة المفتقرة إلى الخشوع مسيحيّون سطحيّون في الالتزام والجدّيّة والتعمّق، وحتّى في القداسة. إذًا، الخشوع في العبادة عنصرٌ أساسيً للمؤمنين وينبغي المحافظة عليه بثبات.

 

سوء فهمٍ خطير

يَهتف عددٌ كبيرٌ من المؤمنين متعجّبين، "آه، ولكنّي أريد نوال الفرح والسّعادة والامتلاء بالرّوح القدس. أريد الإحساس بالله وبالمجد بشكلٍ مثيرٍ للعواطف". هذه الرّغبة حسنة، لكنّها لا تحدث إلا بواسطة الخشوع. من الضّروريّ أن ننظر إلى الله دومًا على أنّه إلهٌ عظيمٌ نأتي إليه بخشوع وخضوع. لا يمنح الرّوح القدس الفرح المسيحيّ الحقيقيّ إلا عندما نعامل الله فعلًا باحترام. وفي حال أبغضنا الخشوع واعتبرناه بديلًا قاتمًا عن الفرح المسيحيّ، فسيؤول بنا الأمر إلى تحفيز بديل عاطفيّ سطحيّ وزائف. في هذا الإطار، لا تستطيع بعض الإجتماعات، مع كلّ ما تتضمّنه من ضجيجٍ وإيقاعٍ وإثارة، أن تولّد الفرح المسيحيّ الحقيقيّ، لأنّها ليست مبنيّةً على الخشوع والتقّوى والتّوقير.

AddToAny