الخلاص في وسط الدّينونة

الموضوع:
العدد:
السنة:

كَسَرَ آدم وحواء وصية الله بكامل إرادتهما ومعرفتهما. عصيا الخالق الذي كانا لذّته وفرحة قلبه، متمرّدَين عليه ومُتخلّيَين عنه. حطّما عمل الرّب الحسن، ووضعا الأرض التي أبدعها بمحبّة تحت اللعنة. إلّا أنّ أوّل ما نقرأه عن ردّة فعل الذي، لتوّه، قد أُهين وكُسِرَ قلبه وقد بادر لمصالحة مخاصميه بالرّغم من أنهم هم من خان وجَرَح؛ آدم وحواء "سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ" (تكوين 8:3).

رِيحِ النَّهَارِ

لم يأتِ بزوبعة غضب ونارٍ آكلةٍ ليدينهم حالاً ويُرسلهم إلى الموت الأبديّ، بل أتى "عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ". أتى في هدوء في أجمل لحظات اليوم، مُعبّراً في ذلك أنه رغم خطيتهم، مازال إلهًا رؤوفًا وصفوحًا مليئًا بالمحبّة.

النَّهارِ

لم يأتِ متأخّراً في الليل تاركًا آدم وحواء مشوشَين، تائهَين، خائفَين، متخبطَين، وتحت تأنيب الضّمير، بل أتى في "النَّهارِ" باكراً كي يُريهم خلاصه. هناك من مَنفَذ ومُنقِذ، وأنهما رغم سقوطهما، مازال "هو هو" الحنون الوديع.

مَاشِيًا

لم يأتِ بسرعةٍ لكي يُتمم الدينونة ويُنهي الأمر، بل أتى "مَاشِيًا" برويّة سائلاً عنهما. الله طويل الرّوح وصبور مع اللذين لتوّهم شوها عمله الحسن، وإنكسرا أمام الشّيطان، وألزما الله الإبن، الذي بنفسه كان "مَاشِيًا"، بأن يتجسّد ويذهب إلى الموت وعذاب الصّليب لفدائهما.

الرب الإله

لم يُرسل ملاكًا برسالة الدّينونة بينما أدار هو وجهه عنهما، بل الذي أتى كان "الرَّبِّ الإِلهِ" نفسه. لم يستُر وجهه، بل أراد أن يُخبرهم بنفسه عن خلاصه المعدّ. أراد أن يُريهم بأن وجهه وعينيه عليهم وبأنّه لن يُخفي ذاته، بل أنه دائماً سيكون مُعلَن.

سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ

لم يتركهما بعدم مجيئه مطلقاً، بل "سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ". لم يتركهما كإختبار قام به وفشل فتبرّأ منه؛ لم يتركهما كأنّه لا يُبالي ولا يهتمّ؛ لم يتركهما إلى مرام الشّيطان فيفتك بهما وينتقم. أتى، وكان هناك وكان معهما في أتعس لحظة في التاريخ مُعلناً لهما أنه سيبقى معهما وهما معه.  

إنّ مجيء الرّب لإعلان دينونته على آدم وحواء كان بذاته إعلان مجيئه للخلاص. هكذا يأتينا الرّب اليوم، من وسط الدّينونة التي نحن فيها ووسط الظّلمة الّتي نتخبّط بها بتشويش وخوف بسبب تمرّدنا وخطايانا، يأتينا "مَاشِيًا عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ"؛ هل نختبئ، أم هل نلاقيه كي يتمَّ لنا الخلاص الذي أعلنه يوم السّقوط؟

AddToAny