الدكتور هوارد دانيال بلِس وحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها

الكاتب:
العدد:
السنة:

عرّف بعض فقهاء القانون الدّولي حقّ تقرير المصير بأنّه "حقّ أيّ شعبٍ في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلّه والسّيادة التي يريد الإنتماء إليها،" باعتبار أنّ السّيادة ركن أساسي من أركان تقرير المصير.

وإذا كان مبدأ تقرير المصير قد استهلّ في القرن السّادس عشر في أوروبا، ونصّ عليه بيان الإستقلال الأميركي في ١٧٧٦، وأخذت به الثورة الفرنسية في ١٧٨٩، كما ضمّنه الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في نقاطه ال 14 التي أعلنها بعد الحرب العالميّة الأولى. وقد احتلّ هذا المبدأ مكانةً مُهمّةً في معاهدات الصّلح التي عُقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، لا سيّما في مؤتمر باريس للسّلام عام ١٩١٩، بين الحلفاء المنتصرين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية والدّول الخاسرة في الحرب ومنها المانيا والدولة العثمانية.

دكتور هوارد بلِس في مؤتمر باريس للسّلام

في هذه الأثناء إستدعت وزارة الخارجيّة الأميركية الدكتور هوارد بلس، الرئيس الثاني للكلّية السّورية الإنجيليّة (الجامعة الأميركية في بيروت لاحقاً)، ووجّهت إليه الدّعوة ليأتي إلى باريس ويدلي أمام مؤتمر الصلح بآرائه حول الوضع في المنطقة. وفي ٦شباط ١٩١٩ ألقى الدكتور هوارد بلس بياناً طالب فيه بتشكيل لجنة لتقصّي الحقائق وإرسالها إلى الشّرق الأوسط للوقوف على آراء الناس، ومما جاء في بيانه قوله: "إنّي مقتنع، أنّ مثل هذا الإستفتاء الحرّ، سيكشف عن رغبة الشّعب في إقامة دولة، أو دول، تتطلّع آخر الأمر إلى نيل الإستقلال، غير أنّها الآن تسعى إلى الحصول على وِصاية تقوم بها دولة منتدِبة". وأضاف يقول: "إنّه من الأفضل للحكم أن يلازم خطّاً موازياً للدّين، وأن يسير الإثنان معاً نحو تحقيق غايتهما الرائعة، متوازيين منفصلين."

تعيين لجنة لتقصّي الحقائق

رأت الولايات المتّحدة، بصفتها مشاركة في المؤتمر، أن تعطي الشّعوب المستقلّة عن الدولة العثمانية "حق تقرير المصير." الأمر الذي كان يتعارض مع مصالح الدّول المستعمِرة، ولهذه الغاية، فقد عيّن الرئيس الأميركي ويلسون لجنة تحقيق للوقوف على آراء أبناء سورية وفلسطين في مستقبل بلادهم، عُرفت بلجنة كينغ-كراين، نسبةً إلى الأكاديمي هنري كينغ ورجل الأعمال تشارلز كراين.

نتائج عمل لجنة كينغ-كراين

بعد أن طافت هذه اللجنة في مختلف مدن لبنان وسورية وفلسطين وشرق الأردن ما بين ١٠ حزيران و ٢١ تموز ،١٩١٩ وضعت تقريراً أعلنت فيه أنّ الأكثرية المطلقة من العرب تطالب بدولة سورية مستقلة إستقلالاً كاملاً، وترفض فكرة إنشاء وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين.

لكنّ النتائج التي توصلت إليها اللجنة لم تتحقّق على أرض الواقع لعدة أسباب منها: سلسلة من الاتّفاقات السّابقة واللاحقة التي قسمت دول المنطقة ووضعتها تحت الإنتداب، كإتفاقية سايكس-بيكو عام ١٩١٦ ووعد بلفور عام ١٩١٧ ومؤتمر سان ريمو عام ١٩٢٠.

هوارد بلِس والجامعة الأميركية في بيروت

بالإضافة إلى كونه قسيساً وراعياً ومعلّماً، عاد الدكتور هوارد بلِس إلى بيروت ليتابع رسالته في رئاسة الجامعة الأميركية التي ابتدأها في العام ١٩٠٢ خلفاً لوالده المؤسس القس الدكتور دانيال بلِس، وفِي عهده أجريت العديد من الأبحاث العالية الجودة في العلوم الإنسانيّة، والطّبّ والعلوم، كانت الأساس لثلاث كليات جديدة في خمسينيات القرن العشرين وهي كلية الهندسة والعمارة وكلية العلوم الزّراعية والغذائيّة وكلّية العلوم الصّحيّة. رقد في الرّبّ بتاريخ ٢ أيار ١٩٢٠ عن عمر يناهز ٥٩ عاماً.