الرّتابة في الحياة الروحيّة

العدد:
السنة:

كانت رحلة الشّعب القديم تتطلّب بضعة أشهرٍ من مصر أرض العبودية، إلى كنعان أرض الموعد والحرّية والبركة. لكنّها طالت أربعين سنةً، يدورون مكانهم في البرّية. لم ينالوا بركة الأرض الجديدة لأسبابٍ عديدةٍ آلت إلى الرّتابة الروحيّة الّتي تُصينا نحن أيضًا اليوم.

التطلّع إلى الخلف

لم يتقدّم الشّعب إلى الأمام لأنّهم نظروا إلى الوراء. تعلّق قلبهم بمصر أرض عبوديّتهم. أطلقهم الله إلى الحرّية لكنّهم وقفوا يبكون على الأطلال. تذكّروا مِصر وطعامها فتذمّروا على الرّبّ. وحنّوا إلى ممارسات أهل مصر الخاطئة، فزنوا وعبدوا الأصنام وقدّموا لها الذّبائح. كانت النّتيجة عدم مواصلة السّير والرّتابة. هذا مصير من يتعلّق قلبه بالعالم وشهواته. لن يبقى مكانه بل سيتراجع ولا يعود يصلح لملكوت السّماء.

انعدام الرّؤيا    

ثمّة سببٌ ثانٍ لدورانهم الرّتيب، فقدان الرّؤيا والهدف. سأل الشّعب موسى وهارون، "لماذا أتيتما بجماعة الرّبّ إلى هذه البرّية. ولماذا أصعدتمانا من مصر. إلى أين نحن صاعدون؟" فقدوا الرّؤيا فلم يحدِّدوا نقطة الوصول ولا خارطة الطّريق، وبالتّالي جمحوا وتاهوا. هذا ما يصيب شعب الكنيسة إذا لم يمتلكوا رؤيا روحيّة لنموّهم ويضعوا أهدافًا ليتمّموا خدمتهم. تصبح الحياة عقيمةً بدون رؤيا أو أهداف كأعمى يتخبّط في سيره يائسًا بلا وُجهةٍ ولا يقين.

رفض التقدّم

الأمر الثالث والمباشر لتيهانهم أربعين سنةً في البرّية أنّهم رفضوا التقدّم. أرسل موسى كشّافةً لرؤية أرض الموعد قبل الدّخول إليها. جاء تقريرهم محبطًا لوجود جبابرة أشدّاء لا قدرة برأيهم لشعب الرّبّ على محاربتهم والتغلّب عليهم والسّكن في أرضهم. الأمر الّذي يتطلّب تدريبًا وانضباطًا واجتهادًا ونضالًا. وهم لم يكونوا مستعدّين للالتزام والاستمرار. المقدام الأبيّ في ملكوت الله يحظى ببركاته. أمّا الكسول روحيًّا، وغير المستعدّ لخوض الحروب الروحيّة مع الجسد والعالم والشيطان، والمتمسّك بالخطيّة وحياة الرخاء، والرافض حمل الصّليب والخضوع والتواضع، فيراوح مكانه ولن يدخل إلى راحة الرّب ليتمتّع بنِعَمِه.      

تدلّ حياة الرّتابة الروحيّة المتكرّرة على أنّ قلب المؤمن ما زال يحبّ العالم وشهواته، أو إنّه فقد الهدف أو رفض التقدّم. لا تزال دعوة الرّبّ للشّعب القديم في البرّية، "كفاكم قعود ودوران في هذا الجبل"، سارية المفعول حتّى اليوم. يعود قرار التحرّر من دائرة الرّتابة القاتلة لنا، ننظر إلى الأمام ونُحدّد الهدف ونتّجه نحوه.